النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12134 الثلاثاء 28 يونيو 2022 الموافق 29 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الليل الطويل 3 من 3

رابط مختصر
العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443

رغم أن المطالبات من كبار النقاد والمفكرين في الملتقى الكبير الذي احتضنته القاهرة قبل أيام كانت مشروعة بشأن تدريس كتاب الروائي المعروف محسن عبدالعزيز «ليل الخلافة العثمانية الطويل»، إلا أن تصويب المسارات يدخل قبل الفرز والانتقاء مرحلة الإعداد والتجهيز، فما طالبت به أستاذة النقد الأدبي الأديبة والمفكرة المعروفة دكتورة فاطمة الصعيدي لم يكن محل جدل بقدر ما كان محل تقدير، وما أشارت إليه في خضم التحولات التي سبقت الحدث، وأعقبت حواراته كان لا بد أن يتم التركيز عليه حتى لا تتوه الفكرة في زحمة جلجلة المتداول من أفكار، وحتى لا تذهب الرؤية إلى طريق مجهول خشينا منه كثيرًا ونحن في معرض التعرف على تاريخ لم يكتب، أو حدث كأنه لم يحدث.

إننا أمام حالة أخرى من الجدل ليس حول معلومات كاشفة لحقائق دامغة، وليس بشأن آراء قابلة للتأجيل أو للتأويل، إنما بخصوص ذلك المنتدى الذي فتح الباب لقراءة متأنية واعية حول ماهية الحقبة العثمانية بكل ترهاتها وكل مناورات من تروق لهم الدماء، وتشفى غليلهم اكتساح حضارات الشعوب، وكل من يستسيغون لحوم البشر ليصنعوا منها الولائم والحكايا و«النصر المبين».

لقد آثر محسن عبدالعزيز أن يستبدل التاريخ المكتوب بمرآة سينمائية كاشفة، بكاميرا من الجيل الثالث والرابع وما بعدهما، باستقصاء لأحداث، وتحليل لأخبار، وتفنيد لمواقف، لقد تجمعت للأديب المصري كل بواعث حرية الحركة، وكل طاقات تحريك السكون، وكل مفاعلات التوجيه الفكري لا المعنوي حتى تكتمل الفكرة ويتم تصويب المسار.

إن الحالة المدمجة بين السياسة والدين هي التي تَحركَ من خلالها الكاتب ليضع أمام القارئ وبالأدلة المصورة، والكلمة المكتوبة، والرؤية المحايدة ما كان يجب أن يمضي على هواه الأولون، فيأتي بالحجة والدليل قبل الإشارة والسكون، بالحدث والصورة وعلم اليقين من قبل أن يمضي في أهواء، وينجر إلى إغواءات، ويغرق في بحر من العقائد متلاطمة النوايا والإحداثيات.

إن ليل الخلافة العثمانية الطويل رغم نهايته الاكلينكية منذ أكثر من قرن، إلا أننا نراه في سلوكيات الجماعات التي تستبدل الدولة بـ«الوطن الأكبر»، والجيوش الجرارة بالمليشيات والعصابات، والمؤسسات بالجمعيات المارقة والزوايا الضيقة، والمساجد العامرة بـ«المؤمنين والمؤمنات».

لقد تمدد فكر «ليل الخلافة العثمانية الطويل» ليصل إلى بيوتنا، وليس فقط إلى أمهات أفكارنا، إلى مدارسنا ومساجدنا وأنديتنا وساحاتنا الشعبية وملاهينا الليلية.

لقد بلغ السيل الزبى عندما قرر نفر موتور أن العصبة الحاكمة تقرر باسم الله، وتقتل وتفتك وتسفك الدماء بدستور العقيدة، وتقصي الآخر، وتحدد إقامة عتاة التفكير بالهجرة من المجتمع بل وتهجيره بالكامل من داخله إلى داخله، ومن أدناه إلى أقصاه، ومن فوقه حيث العناية الافتراضية إلى ما هو أكثر تدبيرًا من كل ما شهدناه وكل ما عايشناه إبان أحداث يناير 2011 وما بعدها.

لم تنطلق حركة تحرير من تلقاء نفسها، ولم تأخذ في الاعتبار سياقات من سبقوها، ولم تتعلم من تجارب من تجرأ على التاريخ وبدأ في «شد الحبل» بمفرده من دون مساعدة صديق أو توجيه رفيق، أو إشارة من حاكم شبه مأمور.

إننا أمام حالة تاريخية ناصعة التناقض مع الواقع، شديدة التعصب لما كان في جعبتها، وما جاءت به من دساتير افتراضية، وتعاليم انتقائية، ومواثيق ضبابية، خرج «الإخوان» من عباءة العثمانيين، ثم جاء العثمانيون على جثامين أشباه الشهداء من الإخوان وفقًا لعهدة رواياتهم وحنكة روائييهم.

لقد حاول البعض التصدي لحركة التعتيم على «الجماعة» والتبرير لها، وحاول البعض الآخر التصدي للتصدي، عملًا بمبدأ ما أطلق عليه الاشتراكيون في المهد، «نفي النفي»، أو إقصاء الإقصاء، لكنها الفكرة التي تم زرع أحزمتها الناسفة في القلب من التجربة، وهي الممارسة التي «أوت» كل من يحاول الخروج عن الإجماع بالإجماع، وكل من يشرع في التفسير فيقع في المحظور.

«ليل الخلافة العثمانية الطويل» اسم لم يفقد بوصلة رشاده بقدر ما حاول العثور عن ضي لقناديل متناثرة، لأقمار مبعثرة، لدوريات ضلت الطريق، وهي ما زالت في بداية الطريق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها