النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11974 الأربعاء 19 يناير 2022 الموافق 16 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

لمن نبني؟

رابط مختصر
العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443

ما زلت أسير في شوارع البحرين وأرى العديد من الأبراج والمجمعات التجارية في طور الإنشاء في مناطق مختلفة وعلى امتداد العديد من الشوارع الرئيسة، وهذا بشكل عام مؤشر جيد إلى نشاط في حركة العقار التي يرتبط بها نحو 40% من الأنشطة التجارية الأخرى بحسب خبراء، كما أنه يوفر المزيد من الخيارات أمام أصحاب الأعمال والمتسوقين وطلاب الترفيه، لكن ربما يكون من الأنسب توجيه جانب من أموال المشروعات العقارية لصالح أنشطة اقتصادية جديدة مثل مشروعات الطاقة المتجددة، أو تلك المرتبطة بالأمن الغذائي.

بالإمكان أيضا استثمار هذه الأموال من خلال مبادرة الحكومة إلى تأسيس شركات كبرى بالشراكة مع القطاع الخاص لتنفيذ المشروعات الطموحة التي أعلنت عنها مؤخرا كالمدن الخمس وجسر الملك حمد، إضافة إلى مشاريع القطاع اللوجستي، خاصة مع وجود تجارب ناجحة يمكن السير في هديها مثل محطة الدور لإنتاج الكهرباء والماء، وشركة بتلكو وألبا -من خلال طرح الأسهم في بورصة البحرين-، وأقول إن نجاح هذه التجارب يستند بالأساس إلى انطلاقه وتبنيه من قبل الحكومة لكثير من الأسباب، من بينها أن الحكومة لديها الموارد والرؤية والاستدامة من جهة، ولأن رجال الأعمال وشركات القطاع الخاص في البحرين -وربما في دول الخليج العربي أيضا- لم تتمكن من خلق هذا النوع من التكتلات الاقتصادية الكبرى من جهة أخرى.

الأمر الآخر هو أنه من غير الواضح فيما إذا كان المستثمرون العقاريون على اختلاف مشروعاتهم يقومون بدراسات جدوى واقعية قبل تنفيذ تلك المشروعات، وما هي المعلومات التي يعتمدون عليها في تلك الدراسات، وهل هذه المعلومات متوافرة أساسا ويجري تحديثها باستمرار حول عدد الشركات الداخلة إلى السوق مثلا وأنشطتها التجارية والمساحات التي تحتاجها مقابل عدد الشركات التي تخرج منه، فهذه المعلومة قد تكون مهمة جدا لمن يبني أبراجا تجارية على سبيل المثال.

من الواضح أن تكلفة الإنشاء تقل بمرور الوقت مع توافر المزيد من المواد الأولية وتطور طرق التنفيذ والآليات - بصرف النظر عن أزمة الامداد الحالية -، ومن الواضح أيضًا أن الاستثمار في امتلاك بناية أسهل من الاستثمار في أمور أخرى مثل مصنع أو معهد تدريب أو مركز صيانة، فبمجرد الحصول على مستأجرين تبدأ العوائد بالتحقق، ومع توافر شركات إدارة العقارات ليس عليك سوى مراقبة حسابك البنكي آخر الشهر.

هذا ظاهر الأمر، لكن الخشية أن تعتمد دراسات جدوى تلك المشروعات على معلومات منقوصة أو مغلوطة، أو ربما لا يكون هناك دراسات جدوى في الأساس، بل مجرد تجارب سابقة وحدس وانطباعات، وهذا يحدث كثيرا، حيث يجلس شخص ما في مطعم أو مقهى مزدحم فيعتقد أن قطاع الأكل والمشروبات يدرّ ذهبًا، ويبدأ بالتفكير وربما العمل على افتتاح مطعم أو مقهى، وكذلك الأمر عندما ينظر شخص ما إلى مستثمر عقاري لديه مجمع أو بناية، خاصة أن التقليد يصبح أسهل إذا كان هذا الشخص يملك قطعة أرض مثلا، ما عليه سوى أن يرهنها للبنك مقابل قرض يسدده عبر جزء من الأرباح ويحتفظ بالباقي فيما هو يستجم على أحد شواطئ الريفيرا الفرنسية!

كما أنه لا يمكن لأي مستثمر عقاري ذكي إلا أن يدرس واقع توجهات سوق العمل في ظل الثورة الصناعية الرابعة، حيث إن منصة إلكترونية واحدة ربما تكفي لإدارة عمل ينتجه عشرات أو مئات الموظفين الجالسين في بيوتهم، لا يحتاجون إلى مكاتب وقاعات اجتماعات ودورات مياه، لذلك نرى أن ما تسمى بحاضنات أو مراكز الأعمال التي تؤجر مساحة مكتبية صغيرة جدا مقابل مبلغ شهري زهيد لقاء الحصول على سجل تجاري وعنوان قد ازدهرت على حساب الأبراج ذات المساحات المكتبية الكبرى.

بحسب تصريحات رسمية، نشرت مؤخرا فقد حقق قطاع العقار في الربع الثاني من العام الجاري 2021 نمواً إيجابياً اسمياً بنسبة 3% على أساس سنوي، فيما أسهم بنسبة 4.9 % في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي خلال الفترة نفسها، أما القطاعات الواعدة في البحرين بحسب خطة التعافي الاقتصادي فمن بينها قطاع السياحة المزمع رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 11% وفقا لاستراتيجية السياحة الجديدة 2022-2026، وقطاع الخدمات المالية الذي يسهم حاليا بنحو 16%، إضافة إلى قطاع الخدمات اللوجستية، وقطاع الصناعة، وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي.

هذه القطاعات واعدة من وجهة نظر الحكومة لأنها تعوّل عليها في تنويع مصادر الدخل وتنمية الناتج المحلي الإجمالي، ويجب أن تكون واعدة أيضا من قبل التاجر والمستثمر، لأنه ببساطة ستكون احتمالية تحقيقه للربح من خلال استثمارته في تلك القطاعات أعلى، كما أنه يواكب توجهات دولته ويسهم في تحقيق أهدافها التي هي أهدافه كمواطن أيضا.

إن ما كشف عنه مدير منصة «رين» البحرينية لتداول العملات الرقمية السيد محمد عتيق حول أن المنصة تتلقى يوميًا بين ألف إلى ألفي طلب فتح حساب تداول وأن معظم المتداولين عبر المنصة هم بحرينيون، يشير إلى وجود فوائض مالية قليلة أو كثيرة تبحث عن مشارب للاستثمار، ويؤكد أيضا أهمية فتح مجالات استثمار أكثر موثوقية أمامها ترتبط بالقطاعات الواعدة، أو توعية المستثمر بالمجالات الموجودة وكيفية الدخول فيها، وهذه ليست مسؤولية المستثمر وحده بالطبع، بل مسؤولية جهات أخرى أيضا مثل مجلس التنمية الاقتصادية وغرفة التجارة والصناعة وغيرها.

القطاع العقاري سيبقى قاطرة من قاطرات النمو والازدهار الاقتصادي، قد يمرض لكنه لا يموت، لكن المهم هنا شيئان اثنان: عدم تكرار المشروعات العقارية حتى لا تكون مهمتها فقط سحب المستأجرين من مكان لآخر، والبحث عن إمكانية ضخ الأموال في استثمارات أخرى أكثر مواكبة للمستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها