النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11980 الثلاثاء 25 يناير 2022 الموافق 22 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

خيال الظل من (بجلي) بيتنا حتى فانوس (قرينيس)..

رابط مختصر
العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443

كانت لعبة (ظلالوه) التي نمارسها ونتسلى بها غالبا في شهر رمضان، إحدى أهم اللعب الطفلية التي نزاولها في الغالب، بل دائما، مع منتصف الشهر أو قبله أو بعده بقليل، حيث يكون القمر سخيًّا علينا بأنواره وظلالاته، وخاصة في (البرايح)، أو الساحات التي تتوسط بيوت الحي، حيث يكون هناك متسع لمشاركة أكبر عدد من أطفال الحي، ومجالا أوسع للحركة والركض والاختباء بين البيوت المجاورة للساحة، ما إذا تورط أحد الأطفال المشاركين في اللعبة بعدم التزامه بمنطقة النور والظل التي تحدد في حيزها لعبة (ظلالوه). 

من خلال هذه اللعبة القمرية، أدركت معنى وقيمة الظل في هذه اللعبة، والذي يكبر أحيانا أو يصغر أحيانا إلى درجة تثير عجبنا ومخيلتنا معًا، إذ معه نرى أنفسنا وقد تحولنا إلى عمالقة أو أقزام أو كائنات غريبة هلامية، أو نراها وهي تجري ورائنا أحيانا وهي توشك أن تلتهمنا أو تقبض علينا.

وكنا حين نهرب من خصمنا أو خصومنا أحيانا، نخشى أن يداهمنا الظلام بين أزقة الحي، فنعود ثانية إلى حيث يوجد الظل وإن كان شحيحا، أو نستسلم تمامًا فنسلم أنفسنا للخصوم، إذ على الأقل سنكون في مأمن من النور والظل معا. 

هذه اللعبة التي أثارت الجدة نورة بنت عبدالله بعض علائقنا برموزها الفلكية والكونية، كالقمر والنجوم والسحب البيضاء العابرة في سمائهم، كانت أيضا إحدى من ألهمني بكتابة نص (ظلالوه) المسرحي فيما بعد من تسعينيات القرن الماضي، وهو نص يستلهم الأسطورة و التراث عنصرًا رئيسيًا لمعالجة عصرية، وذلك من خلال استدعاء الأسطورة الشعبية الخليجية القديمة (الحوتة الخرافية التي أكلت القمر وحل بالأرض الخسوف) ومن خلال استحضار الطقوس والعادات التي ترافق الإعتقاد بهذه الأسطورة. 

في هذا النص طرحت سؤالا جوهريا تترتب عليه كل الأحداث التي تجري فيه وهو: ماذا لولم تترك الحوتة قمر؟ ما الذي سوف يجري في الأرض وما الذي سيحدث لقاطنيها؟ 

محور المسرحية الجوهري هو: نجمة، التي تقتل الحوتة وأتباعها وأمثالها الحب الذي يتجسد في شخصية قمر وسمر وبدر وفجر ومشعل وضاحي ونديم والتي تدرك القاتل وتحفز الشعب على مواجهته إلا أن هذا الشعب تضطرب رؤيته ويضل الطريق، ومن أدرك الطريق كانت له الحوتة بالمرصاد..

المسرحية يتداخل فيها الشعر الغنائي بالموسيقى والطقوس والرقص الأسطوري والشعبي، وتجمع شخصيات عديدة أسطورية وإنسانية ومرمزة ودالة..

هذه اللعبة القمرية التي تجري أو نمارسها في البرايح أو الساحات خارج البيوت، بعد أن حلّ (البجلي) في حوش بيتنا، أصبحنا أنا وشقيقاتي الست كمن يزاول هذه اللعبة كل مساء مع إنارة (البجلي)، وهو اللمبة الكبيرة التي علّقها الوالد في أعلى جدار المنزل في وسط الغرف، لإنارة الحوش كله، وكما يقال أن أصل كلمة (البجلي) فارسية وتعني البرق، وكانت هذه اللمبة (البجلي) أشبه في حينها بكشافات الملاعب أو الأفراح أو إنارة أعمدة الشارع العام المجاور لبيتنا والذي حينها في الستينيات يوشك أن يكون الشارع الوحيد المجهز بأعمدة الإنارة في مدينة الرفاع الشرقي إبان بواكير ستينيات القرن الماضي. 

وكانت خيالات الظل لا تغادرنا كل مساء بسببه، علمًا بأن الوالد قد نصب هذا (البجلي) لجلستنا مساء في الحوش للعشاء ولمشاهدة التلفزيون وخاصة في الصيف، ولإضاءة حوش البيت لتبين أفراد العائلة طريقهم نحو الحمّام أو زريبة البهائم أو مغسل الأواني، ولكننا كنا نعيش حينها في غبطة مع ظلالات وخيالات هذا (البجلي) في حوشنا والمنعكسة مباشرة بأطيافها على الجدار العريض الذي يفصل الزريبة عن معيش العائلة.

وكان من بين شقيقاتي الست المولعة بظلالات ضوء هذا (البجلي)، شقيقتي الصغرى دينا، وهي من مواليد الستينيات، إذ كانت ظلالات وخيالات هذا البجلي تأسرها، بل وتقضي أغلب وقتها أمام هذا الجدار وهي تتقافز وتتحرك بخفة لترى خيالاتها بأشكال متعددة، وكما لو أنها تقترح علينا مشاهد جديدة في كل حركة تؤديها بصحبة أضواء هذا (البجلي) السحري الذي نقل معه أنوار القمر وظلالاته لنراها طوال الشهر، بل طوال العام.

وتتجلى ظلالات وخيالات أضواء هذا (البجلي) بشكل أكثر وضوحا وأكثر إذهالا، حين أقبل الفانوس السحري أو البروجكتور إلى حينا، مع الشيخ راشد بن صباح بن حمود آل خليفة والصديق عبدالله قرينيس الذي يدعونا كل يوم تقريبا لنرى كيف تصبح أفلامه الكارتونية الصغيرة كبيرة وكما لو أننا نشاهدها في دار سينما، أو كيف نرى الصور الصغيرة المعتمة بملامح واضحة وكبيرة ومدهشة بأشكالها وظلالاتها.

ولعل مسرحيتي (كاريكاتير) التي قدمتها إخراجا ضمن تقنية المسرح الأسود في البحرين وفي مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 

 92، كانت من وحي طفولة مؤجلة، أبطالها الضوء والظل و(بجلي) بيتنا الكبير الذي لا زلت أراه وهو يتوسط غطائه المعدني الأبيض، أشبه بأحد أبطال الكاوبوي الهوليووديين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها