النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11980 الثلاثاء 25 يناير 2022 الموافق 22 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

الليل الطويل (2-3)

رابط مختصر
العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443

ليس عنوانًا أو لافتة، أو تحريضًا، ليس مقطعًا أو مطلعًا أو بيت قصيد، ذلك الليل العثماني الطويل، وتلك الخلافة التي فتحت أبواب جهنم على الشعوب الخاضعة، والدول الزائلة، والحدود الهلامية الشاسعة.

لقد كان للسلطان العثماني سليم الأول البطش ذاته، والقتل ذاته والدموية ذاتها التي تحلى بها السلطان أحمد الفاتح، لم يكن الأخير مجرد قاطع طريق مارق، أو قرصان عاشق، لكنه قارئ نهم للتاريخ، فاهم في أصول إراقة أحداثه، فنان في التعبير عن جدارياته وإحداثياته.

في أمسية جماهيرية باهرة وسط القاهرة تجمع لفيف من المفكرين والأدباء والمبدعين ليتذكروا مع محسن عبدالعزيز الصحفي والروائي المصري الكبير كتابه الأخير «ليل الخلافة العثمانية الطويل»، تحدثت الأديبة المبدعة سلوى بكر، وتحدث الشاعر القامة أحمد سويلم، والأدباء والصحفيون صلاح سالم والدكتور محمد عفيفي ودكتورة نسمة يوسف إدريس والدكتور عبدالمنعم سعيد وغيرهم الكثيرون، تحدثوا جميعًا عن «سيرة القتل المنسية»، وعن نقد الظلال العارية عن الصحة، وتلك التي أضفت قداسة للشروخ التي أحدثتها خزعبلات المرحلة، واعتبارات العرش العثماني جزءًا من آيات لم يتم الانتباه لها، ومن أحاديث نبوية حول الرجل القادم من أواسط آسيا لكي يعيد لدولة الإسلام مكانتها، وللتاريخ المخفي عظمته، وللأمة التائهة واقعها المُر.

لقد ذهب محسن عبدالعزيز في سطور «نقد النقد»، إلى تحليل القتل بأمر إلهي، وتجريم الخروج عن طابور الدماء الطويل، وتحريم كل من يمضي بعيدًا عن شريعة أحمد الفاتح باعتباره دستورًا إلهيًا فائقًا، وتطويع الشريعة المروضة حسب مزاج الخليفة العثماني للدرجة التي يحلل فيها قتل الأشقاء من أجل الدفاع عن مصلحة «الباب العالي»، وسفك دماء الأبرياء إذا ساورت الحاكم شكوكًا حول رعيته، أو حول أقرب المقربين من أقاربه، أو بني جلدته، لقد فرض الرجل القوي سطوته وسلطته وامتد بقواربه الخرقاء نحو البحر الأبيض ليذهب بعدته وعتاده إلى العراق والشام والحجاز ومصر، وفي الطريق استباح لنفسه ولخدام عرشه كل شيء؛ السبي، السرقة، القتل، الأسر الاستيلاء، التدمير والتحطيم والحرق، وكل الأدوات والوسائل التترية لكي يحقق سلطانه أحلامًا تحت ظلال العنفوان، وأطماعًا من قلب رؤية الشيطان الرجيم، وأغراضًا لم يبخل بها الذئب عندما برأه ابن يعقوب من دماء مقتوليه.

لقد كشف محسن عبدالعزيز في الندوة ومعه عشرات من الأدباء والمفكرين والسياسيين الغطاء عن الصندوق الأسود للخلافة العثمانية وكيف أنهم باسم الدين الإسلامي الحنيف يمكن أن ينفذوا بـ«شبه سلطان» إلى أمهات الأفكار وجدات التعاليم من أجل تحقيق أهداف سياسية، وأطماع شخصية.

ليس مهمًا كم من الضحايا سوف يدوسون، وكم من السبايا سيُخضعون، وكم من الدماء سيسفكون، المهم أن يكون للعرش الأسيتاني العظيم امتداده الإقليمي والعالمي، وأن يصبح المصحف وأسنة الرماح موضوعين بعناية فائقة فوق هضبة الأناضول وبجوارهما أشلاء القتلى، ودموية الاقتحام، وأشكال السبايا، وأجواء وروائح الجثامين الهاربة من «أقدارها إلى أقدارها».

لقد تمكن أحمد الفاتح في مشواره الدوار من خطف العلماء والخبراء والفنيين والمهندسين لكي يزينوا بلاده بالقلاع، والعمارة الإسلامية التي لقبوها بـ«العثمانية» فيما بعد، حتى المآذن والمنارات، المساجد والقباب جاءوا بها من المغرب وتونس ومصر والشام ليمنحوها الجنسية العثمانية، ويدمغوها بختم السلطان الفاتح العثماني الجبار.

ومحسن عبدالعزيز في هذا السياق نجده كاتبًا جسورًا يضفي على حكاويه صفة الروائي القدير، وخيال الأديب المبدع، فلم يأتِ بالكتاب على هيئة سارد لأحداث، ولا في صورة حكاء بربابة، حيث إن إطلالته كانت مزيجًا من التصوير الملحمي الذي تشتبك فيه اللغة مع اللقطة، الكلام مع الحركة، والوصف التفصيلي مع الكاميرا المعبأة بالأشكال والألوان والخطوط العريضة المتفانية.

لقد بذل محسن عبدالعزيز في 120 صفحة جهدًا تكثيفيًا رائعًا وهو يحكي من دون تطويل، ويشرح بتأمل وتحليل، ويعيد للذاكرة ذلك المزيج بين متيم بالقارئ لدرجة أنه يصطحبه في مشوراه الخطير ليزيل معه غبار السنين عن أحداث مرت، وحضارات مرقت، وسجايا تجمعت، وقارئ ينتظر من كاتبه الكثير والمثير، فكان له ذلك الحصاد الفكري الشارح للصدور، والارتقاء الأمين لعقول تم حشوها سابقًا بكل ما هو مضلل ومريب، وكل ما هو مراوغ وغريب، حتى أصبح التشويه المقصود للفكر العربي أشبه بذلك الذي يحدث اليوم من تبرير للقتل باسم الله، وللتطرف إيمانًا بـ«شبه عقيدة».

يتبع...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها