النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11980 الثلاثاء 25 يناير 2022 الموافق 22 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

خريطة قلالي البهية!!

رابط مختصر
العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443

 لا أعرف حقيقة الاسم المناسب الذي يمكن أن يطلق على العمل الجبار الكبير والمميز الذي بذله الأخ الصديق جمعة سالم في إنتاج ما أسماه «خريطة قلالي في فترة ستينات القرن الماضي»، وهي خريطة تداولها أبناء قلالي بفرح وحبور على نطاق واسع. وباطلاعي على هذا العمل الطريف، أستطيع القول إنه عمل تخطيطي متقن يشبه إلى حد بعيد ما كان يُمكن أن يتيحه التصوير الفوتوغرافي من دقة في حفظ ذاكرة الأماكن حفظا تتحول معه كل مشاهدة لتلك الصور إلى لحظة دفق شعوري مميز يحرك سواكن الذاكرة فتنبعث أمام الرائي تفاصيل المكان واحتضانه تلك المنازل التي كانت موئلا لتشكل طبائع وأخلاقيات أهالي قرية قلالي وروح التعاون والتضامن بينهم، وفضاء يعزز الولاء والانتماء للوطن وينتج ثقافة خاصة بهم.

 لقد نالت هذه الخريطة إعجاب أهالي قلالي من مختلف الأعمار، وكان بالنسبة إلى جيل ما بعد التسعينات عملا تخييليا يقرب الزمن الذي مضى ويضعهم في البيئة الاجتماعية الثرية التي ترعرع فيها آبائهم وأجدادهم ليكتسبوا ثقافة تطبع سلوكهم الخيّر ليتوارثوها جيلاً بعد جيل. البيوت المرسومة على الخريطة وأعطيت لها أرقام توضح أسماء من سكنها من الآباء والأجداد، وكانت مشعة بأرواح تفانى هؤلاء في غرس كل ما هو ذي معنى وصالح ليكون عدة للأجيال اللاحقة تساعدهم على تحمل مشقات الحياة وتصاريف الزمن. 

 هذا النوع من الاجتهاد في عمل متقن كهذا يصب في توثيق حقبة زمنية حددها الصديق جمعة بحقبة الستينات، ويمكن له أن يتحول إلى مرجع علمي لعمل «انثروبولوجي» يحفر في بيئة قلالي الاجتماعية لاستظهار مكنونات المجتمع ولو في حقبة زمنية معينة حددها راسم الخريطة، وهي حقبة تُعد بالنسبة إلى جيل الخمسينات وحتى الثمانينات حافلة بالكثير مما كانت تحتويه القرية من درر وكنوز اجتماعية يجب علينا نحن جيل تلك الحقبة استنطاقها لتحكي للأجيال الحالية واللاحقة ما كانت تتميز به هذه القرية وما يستبطنه ساكنوها من ثراء قيمي وإرث سلوكي نحن مدينون به لأناس صبروا وصابروا يغالبون شظف العيش في أعماق البحار لضمان حياة كريمة لأبنائهم.

 من يتأمل الخريطة من الجيل الذي عايش تلك الفترة الزمنية لا بد لذاكرته أن تستحضر الشخوص التي سكنت تلك البيوت، نساء ورجالا رحم الله من ارتحل منهم إلى الأبدية وأطال في عمر من مازال يؤنس ليالي القرية ونهاراتها بجميل حضوره، وفق ما تيسر لهم من إمكانيات. ولا بد لمشاهد اجتماعية قد داهمت هذا المتأمل، كل بحسب خبرته واحتكاكه بالناس، ليعانق ماضيا مأسوفا على رحيله. ولاحظ أن تراص بيوت القرية على النحو الذي تظهره الخريطة ينم عن حميمية اجتماعية أفرزت تواصلا اجتماعيا تجسد في معرفة الأهالي بعضهم بعضا، ما أسهم في خلق مجتمع متجانس يهب لنجدة بعضه بعضا عند الحاجة. فلا توجد مناسبة فرح ولا حزن إلا ويكون الجميع جاهزا وفاعلا في هذه المناسبات الاجتماعية، وقد كان للمأثور الشعبي، أو ما يطلق عليه الثقافة الشعبية البحرينية، حضورا يعزز التواصل الإنساني.

 فحزاة، مفرد حزاوي، أو لغز «سويرة وبنتها» التي يختبرنا فيها من هم أكبر منا سنا من أهالينا عن معرفتنا بالمتغيرات السكانية في القرية، تحكي لنا كيف أن أمهاتنا وآباءنا يعززون فينا وبشكل غير مباشر الترابط بين أفراد المجتمع الواحد في قلالي ويزرعون فينا محبة غيرنا، والمحافظة على ترابطنا بمعرفة ما يستجد في العوائل في القرية من المواليد، حيث إن كل مولود جديد في القرية تكون كل البيوت على علم بقدومه باعتباره حدثا يسعد كل بيت. والأكيد أن «سويرة وبنتها» مكوّن اصيل من مكونات التراث البحريني العام وقد يكون لها امتداد خليجي وحضور في أكثر من قرية في خليجنا العربي البهي، ولكن ما ميز تداولها «حزاة» أو لغزا في قلالي هو أن لها بعدا اجتماعيا وإحصائيا يعزز العلاقات بين أفراد المجتمع.

 إن الخريطة المنجزة تستحق من المهتمين بالشأن الاجتماعي والسكاني من أهالي قلالي ممن عاشوا الفترة المشار إليها في الخريطة اهتماما؛ لأنها توفر أساسا كتابيا توثيقيا تستفيد منه الأجيال القادمة من الأهالي. وفي رأيي أن أهمية العمل، الذي صرف فيه الصديق جمعة سالم وقتا ثمينا، قد تنتفي بعد سنوات قليلة إذا لم يدعم بتوثيق طبيعة العلاقات الإنسانية الناظمة لتعامل الناس بعضهم مع بعض حفظا لذاكرة المكان، ونرجو فحسب ألا يصبح هذا الجهد عبارة عن صورة فوتوغرافية لأي مقبرة، بل إننا نرجوه نابضا برواياتنا الموثقة لفترات مهمة في تطور قريتنا العزيزة علينا التي أصبحت منطقة جاذبة للسكن. وأنا متيقن بأن ما تركه لنا الآباء والأجداد من القيم الاجتماعية الخيرة كوّن صيتا مسموعا لقرية قلالي وكان السبب في هذه الجاذبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها