النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12134 الثلاثاء 28 يونيو 2022 الموافق 29 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

غازي علي وحلم تحقق

رابط مختصر
العدد 11926 الخميس 2 ديسمبر 2021 الموافق 27 ربيع الآخر 1443

في اليوم التاسع من شهر نوفمبر 2021م، فقد الوطن أحد أبرز رموز الفن الموسيقي والغنائي، ومن أوائل المؤسسين للنهضة الموسيقية في المملكة منذ مطلع الستينات من القرن الماضي. إنه الموسيقار غازي علي... أول أكاديمي في الموسيقا يتخرج من معهد الكونسرفتوار في القاهرة بدرجة الماجستير في عام 1967م.

سوف لن أتطرق في هذه العجالة لمشوار غازي علي الفني، فقد قمت بتغطية ذلك ضمن كتابي (الموسيقا والحضارة) الصادر في عام 2016م عن دار «مدارك»، كما أن بعض كتابنا الأجلاء قد تناولوا سيرة هذا الموسيقار بشكل من الإيجاز في الصحف المحلية والخليجية، أذكر منهم الأديب الكبير الأستاذ محمـد القشعمي في مجلة اليمامة بتاريخ 18-11-2021م تحت عنوان «قصة الكتاب الذي طلب غازي علي صدوره بعد رحيله»، وكذلك الأستاذ عبد الله المدني في مقاله المنشور في جريدة الأيام البحرينية في عددها 11920 بتاريخ 21-11-2021م تحت عنوان «الموسيقار غازي علي.. عاش ورحل دون ضجيج إعلامي». لذا فليس هناك ما يستدعي التكرار، وإنما سأكتفي بتسليط الضوء على الظروف الصعبة والتحديات التي واجهها غازي علي وتمكن من التغلب عليها بقوة إرادته وتصميمه وإيمانه بقدراته.

يعتبر غازي علي من أوائل الرواد الذين حملوا الفن وآلاته على ظهورهم في الوقت الذي كان المجتمع السعودي ينظر الى هذه المهنه ياستصغار واحتقار. وكانت التكتلات الدينية المتعصبة تمارس مهمة محاسبة الناس ومحاربة كل أنواع الفنون بشكل عام والموسيقا والغناء بشكل خاص، باعتبار أن الموسيقا تعتبر في عرف المؤسسة الدينية من الرذائل التي تستوجب العقوبة الجسدية والمعنوية. وكان الفنانون يتعرضون للمطاردة والبطش والتنكيل والتشهير. مما جعل تلك البيئة غير صالحة لأن تنتج لنا فناً أو فنانين يستطيعوا أن يبدعوا وأن يبتكروا في هذا الجو المشحون بالخوف والتوتر. لكن غازي علي قرر وبكل إصرار أن يقهر تلك الظروف فحمل عوده وانطلق يشدو بألحانه العذبة التي سكبها في قوالب متعددة، منها العاطفي، والوطني والديني متحدياً كل الصعاب في سبيل الفن الذي عشقه وأخلص له.

برغم أن عام 1952م يعتبر هـو البـداية لنشـأة الفـن الموسيقي الحـديث في المملكة، عـنـدما تم ابتعـاث ضابط المـدفعـيـة المضادة للـدبابات (طارق عـبـد الحكـيم) إلى مصـر من قبـل وزير الـدفاع آنذاك سمو الأمير منصور بن عـبد العـزيز (رحمه الله) ليتلقى تعليم الموسيقا ومن ثم يعـود ليقـود فرقة موسـيقا الجيش. فبعـدما عـاد طارق عبـد الحكيم بعـد تخـرجه عام 1953 أي بعـد سـنة واحـدة من ابتعاثه، كان الأمير منصور قـد انتقل إلى رحمـة الله وخلفـه شـقيقه المغفور له الأمير مشعل بن عـبد العـزيز في وزارة الدفاع. وفور عودته من القاهـرة باشـر في تكوين الفـرقة الموسـيقية العسكرية، والتي كانت تقـوم بالإضافة لتقـديم التحيـة العسـكرية (السـلام الملكي السـعـودي)، كانت تساهم في إحيـاء حـفلات موسيقية وغـنائية ترفيهية لأفـراد الجيش. وفي عام 1961 تمت إعارة طارق عـبد الحكيم للمديرية العامة للإذاعـة والصحـافـة والنشـر بهـدف تأسيس فـرقـة الإذاعـة الموسيقية وتكـوين عناصـرها والإشـراف عليها. الا أن هذه الأنشطة الموسيقية لم يكن مسموح لها أن تتخطى أسوار المؤسسة العسكرية والإذاعة.

ولكن ومع هذا الحضر الشديد على الأنشطة الموسيقية من قبل المؤسسة الدينية إلا أنه كان هنـاك مجمـوعـات قليلـة من هـواة الموسيقا والغـنـاء في كل من منطقـة الحجـاز والمنطقـة الشـرقيـة والوسـطى

ممن كانوا يمارسون العـزف والغـنـاء خـفيـة داخل غـرف مغلقـة ومعـزولة أو في أماكن نائيـة بعـيـداً عـن أعين الرقبـاء،

لكن في عام 1962م، حدثت طفرة تقدمية غير مسبوقة وغير متوقعة. فلدى عودة المغفور له الملك سعود بن عبد العزيز من الرحلة العلاجية الى أوروبا، حيث كانت محطة وصوله إلى أرض الوطن عبر مطار الظهران، الذي كان المطار الـدولي الوحيــد في المملكـة آنذاك. فقد شهدت المنطقة الشرقية احتفالات ضخمة ابتهاجاً بعودة الملك، وتحولت مدن المنطقة الشرقية بأكملها إلى كرنفالات لم تشهد المملكة لها مثيلاً من قبـل. فقد أُضيئت شوارع وحدائق الخبر والدمام والقطيف والأحساء على مدار الساعة وكأنها مدينة لاس فيجاس الشهيرة، هذا بالإضافة الى إلباسها حلة خضراء من سعف النخيل وبعض الأشجار التي جلبت من واحـتي القطيف والأحسـاء. ولم يقتصر الاحتفال الذي امتد لمدة ثلاثة أيام بلياليها من إنارة الشوارع وتقديم العرضات، بل أن حديقة البلدية في الخبر والتي كانت تعتبر أكبر حديقة على مستوى المملكة آنذاك، قد تحولت الى خلية نحل، قصدها كل أطياف المجتمع برجالها ونسائها وأطفالها الذين جاؤوا من الأحساء والقطيف والدمام والبحـرين وذلك للالتفاف حول مركز الحفل الموسيقي الذي كان يقام بمصاحبة آلات موسيقية لأول مرة في المملكة وفي مكان عام، وقـد اسـتخدمت آلات مثل العود والكمان، بالإضافـة للطبول والدفوف والصاجات. وقد شارك في ذلك الحفل فنانون من البحرين مثل محمد زويد وأحمـد يوسف الزبيدي من اليمن ومن السعودية الفنان جميل محمـود، بالإضافة الى فنانين آخرين من بعض دول الخليج.

بعـد هـذا الحـدث التاريخي بفـترة وجـيزة، طالعتنـا مجلـة «الموعـد» اللبنانية بنشر ريبورتاجاً مصـوراً لفنـان سـعودي واعـد ينطلـق صـوته من لبنـان بأغـنيـة كانت جـواز عبـوره لآذان ومسامع الجمهور السعودي والعـربي في كل مكان. لقـد كانت رائعتـه (سـويعات الأصيل) التي لحنها الفنان الكبير المرحوم عـبـد اللـه محمـد. لم تكن سـويعات الأصيل هي الأغـنيـة الأولى التي غـناها طلال، ولكنها حـتماً الأغـنيـة التي عـرفـه الجمهـور من خلالها قبل أن تنطلق حنجرته برائعتي غازي علي «سلام لله ياهاجرنا» و «أسمر حليوة» الأغنيتين اللتين أحدثتا صداً كبيرا بين الجمهور المحب للفن.

لقـد كان الفـن الموسيقي والغـنائي في المملكة يتركز بشكل رئيسي في الحجـاز، وكان يتم إعـداده عـلى نار هادئة، ولذلك خـرج لنا مسـتوياً يفـوح منـه عـبق الأصالـة والجمال. لقـد سـاعـد على انتشار الأغنيـة الحجازية عـدة عـومل كلها تظافـرت لتجعـل من الحجـاز قلعـة شامخـة من الفن الموسيقي والغنائي، ومصنعاً لنجوم الغنـاء... وهـذه العـوامل هي:

1) البيئة المتحضـرة والمتفتحـة.

2) وجـود أول إذاعـة في المملكـة التي أنشأت عـام 1949م والتي بدأت ببث أعمالهم منذ عام 1962م.

3) وجـود الممثليات الدبلوماسيـة فيها إلى وقت قـريب قبل أن يتم نقلها للعاصمـة الرياض. فهـذه العـوامل الثلاثة سـاهمت بشكل كبير في جعل البيئة الحجـازية أرض خصبـة للنبت الفـني. وقـد خـرج من هـذه المنطقـة أباطرة الغنـاء والموسيقا في الجـزيرة العـربية مثل: غازي علي وطلال مـداح، طارق عبد الحكيم، محمد علي سندي، فوزي محسون، مطلق مخلد الذيابي (سمير الوادي)، عمـر كدرس، جميل محمـود، محمـد عبـده، سـراج عمـر، سـامي إحســان، عبادي الجـوهـر، وأخرون غيرهم. كانت هذه الفترة الممتدة من عام 1962م الى 1979م تعتبر الزمن الذهبي للفن الموسيقي والغنائي في المملكة، قبل أن نبتلى بما اصطلح على تسميته تجاوزاً بجماعة (الصحوة)، وهو تنظيم خرج من رحم حركة الإخوان المسلمين الإرهابية. وتمدد داخل المجتمع السعودي بشكل سريع واستطاع التسلل والتوغل داخل معظم مؤسسات الدولة الإعلامية والثقافية والتعليمية، حيث قامت الجماعات المنتسبة لهذا التنظيم بتغيير المناهج الدراسية، ليضمنوها أفكارهم المتطرفة والتكفيرية، بعد أن تمكنت من تسخير الأجهزة الإعلامية مثل الإذاعة و التلفزيون، وكذلك منابر المساجد لبث ولنشر أفكارها والسيطرة على عقول الناس، وشنوا حرباً شعواء على الفن والفنانين ووصفهم بأقدح الأوصاف، وأصدروا لهم تأشيرات الدخول إلى جهنم وأوصدوا في وجوههم أبواب الجنة، وكأنهم وكلاء الله على عباده. متخذين من الدعوة والإرشاد التي كانوا يسيطرون عليها سبيلاً لنشر أفكارهم بين كل أطياف المجتمع معتمدين اسلوب الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، متخذين من سور القرآن الكريم حجج لإدعاءاتهم بعد أن فسروا الآيات وفقاً لمنظورهم الضيق والمتحجر. لقد كان الوطن بمختلف شرائحه يعاني من هذا الكابوس على امتداد أكثر من أربعة عقود، ولم يكن هناك أمل يلوح في الأفق القريب للتخلص من هذه الجماعات التي كان نفوذها في تزايد مستمر وتمكنت من السيطرة على المؤسسات البنكية التي تمثل الشريان الاقتصادي للوطن. حتى جاء العهد الميمون والذي لم يخطر على بال أحد، بأن تلك الفترة المظلمة من تاريخنا يمكن أن تنجلي وأن نصحو على فجر جديد من الأمل المشرق والانفتاح وأن نعيش نهضة ثقافية وفنية لم نر لها مثيل من قبل. ولم نكن نحلم أن نعيشها. إنه عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين الذين حملا على كاهليهما مهمة التخلص من جماعات الصحوة وإعادة بناء الدولة بشكل حضاري ونفض غبار التخلف الفكري والثقافي ونقل الوطن والمواطن ليصبح في مصاف الدول الراقية التي سبقتنا حضاريًا وعلميًا وثقافيًا لأكثر من قرن. فدخلت البلاد في عهد جديد من التطور الثقافي والحضاري، حيث رفعت القيود عن حق المرأة في ممارسة العمل في كل الحقول لتساهم في حركة البناء والتنمية بجانب أخيها الرجل، وسمح لها يقيادة السيارة وبالمشاركة في الأنشطة الرياضية وتمثيل الوطن في المسابقات الدولية والإقليمية، كما منحت حق الولاية على نفسها. وبدأت الحياة تدب في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، وبدأ العمل على تشكيل جمعيات ثقافية وعلمية شملت المسرح والموسيقا والفن التشكيلي والسينما وغيره من المشاريع الحضارية والتنموية، هذا بالإضافة إلى تشكيل لجان لإعادة صياغة المناهج التعليمية بشكل عام والدينية بشكل خاص. كما تم إنشاء هيئة الترفيه العامة بقيادة المستشار تركي آل الشيخ، وسمح بإقامة الحفلات الغنائية واعتلاء الفنانين والفنانات خشبة المسرح وحضور العنصر النسائي جميع أنواع الحفلات بجانب الرجل. وافتتحت دور السينما... وحركة الإصلاح والبناء لا زالت مستمرة.

فهنيئًا لنا جميعًا هذه الطفرة الميمونة، وهنيئًا للمرحوم الموسيقار غازي علي الذي أدرك هذا الحدث العظيم قبل أن يرحل من عالمنا.... فقد كان دائماً يقول لي عندما كنا نلتقي بأن أمله الوحيد أن يرى حال البلد قد تغير وأن ذلك لن يحدث الا بمعجزة، وقد جاءت المعجزة المنتظره وتحقق حلم غازي علي الذي هو حلم كل مواطن سعودي.

مواطن سعودي.

كاتب وباحث ومؤلف موسيقي

[email protected]

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها