النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11980 الثلاثاء 25 يناير 2022 الموافق 22 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

مهمّة ممكنة وضرورية

رابط مختصر
العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443

 كثيرة هي المرويات التاريخية حول خيانة الأوطان وأوجهها المتعددة، وكثير منها أفضى إلى خسائر فادحة منيت بها الشعوب المكافحة ضد الاستعمار والاستبداد والهيمنة. ولست هنا بطبيعة الحال في وارد إعادة راويتها، ولمن يريد معرفتها عليه أن يكتب فحسب «الخيانات في التاريخ» ويضغط على مؤشر البحث في غوغل ليدلّه على أشهرها، غير أنّي سأشير هنا إلى خيانة من خارج فضائنا العربي سجلها التاريخ باسم أمير هندي من أصول عربية اسمه مير جعفر ضد بلاده، وكان لخيانته هذه دور محوري في تقديم التسهيلات للإنجليز ومن أهمها توفير القوات الموالية لهم، ما يسر احتلالهم فيما بعد الهند والبنغال والسند لمدة قرنين من الزمان، واخترت هذا الحادثة لأني أجد فيها ما يدل على طبيعة الخيانة التي يجسدها «حزب الله» ضد لبنان العربية ومعه كل جماعات الإسلام السياسي، الشيعية منها كما في العراق بولاءاتها الخالصة لإيران والسنية كما في مصر بتبعيتها لتركيا. ولعلي في هذا الإطار لا أنسى الإشارة إلى مسألة جوهرية ينبغي التذكير بها دائما عند الحديث عن خيانة جماعات سياسية مهما كان انتماؤها العرقي أو المذهبي، فأعمالها لا تمثل في أي حال من الأحوال العرق أو المذهب الذي يُفترض انتماؤها إليه، وأستعمل هنا عبارة يُفترض؛ لأني مؤمن بأن من يهون عليه وطنه يهون عليه مذهبه وعرقه وحتى أمه وأبوه وأبناؤه وأقرب المقربين إليه. 

 الديمقراطية في البلدان العربية عامة والمتعددة المكونات العرقية والمذهبية خاصة أصبحت عامل تفتيت لعدم جدارة المكونات السياسية بها وبمتطلباتها وخاصة منها تعزيز المواطنة سلوكًا مدنيًا يُدار به الشأن العام ضمن مبادئ احترام التنوع والاختلاف والدفاع عن الحقوق المدنية واحترام الواجبات والإذعان لسلطان القانون وصون مقومات دولة القانون والمؤسسات، وتعزيز الوطنية عقيدة جامعة تنتفي معها الولاءات المذهبية والعرقية والإيديولوجية لينصهر الجميع تحت راية واحدة هي راية الوطن ورموز سلطته الاعتبارية. وهذا الأمر جعلنا نعايش ونرى أكذوبات ديمقراطية أو إن شئت ديمقراطيات زائفة ليس أبلغ من المثال اللبناني في الدلالة عليها، فنحن مع الحالة اللبنانية أمام الديمقراطية شعارا والطائفية واقعا وأمام مثال سياسي قائم بامتياز منذ بداية الاستقلال على محاصصات طائفية لا ينتهي تسلسلها ولم نع أو يعي من قبلنا نواتجها الكارثية مستقبلاً.. لماذا؟ لأن تحديد المهمات الدولية والحكومية يتم وفق تقاسم طائفي للمناصب والصلاحيات تحكمه في غالب الأوقات تحالفات لا مبرر له إلا الفساد والإفساد والمصالح الذاتية والشخصية الضيقة. وهذا الوضع قاد إلى تعاظم سطوة «حزب الله» على لبنان بعد الحرب الأهلية، أصبحت الديمقراطية التي كانت بطبعها هشة في مهب رغبة هذا الحزب الذي يعبر صراحة عن خيانته وانحيازه ضد مصلحة لبنان واللبنانيين والعرب لصالح إيران، وذلك بصريح تعبير زعيمه من عندما صرخ في جنون من «فوق السطح». وفي هذا سلوك يذكر بمقولة عودة التاريخ في شكل مهزلة تجسدها مواقف زعيم «حزب الله» وأعماله التي تتشابه حدّ المماثلة سلوك مير جعفر الذي أوردنا مثاله سلفًا.

 إن الديمقراطية التي جاءت بتيارات الإسلام السياسي إلى السلطة في العراق ومصر زمن حكم الإخوان وتونس قبل أن يسحب الرئيس التونسي من تحتهم البساط، لا تختلف في التطبيق عن المثال اللبناني من حيث قيامها على منطق المحاصصة وخاصة منها المحاصصة الطائفية في الحالة العراقية. وحين انتفض العراقيون على السلطة وخرجوا يبحثون عن وطن أدركوا ضياعه وهوانه واجهتهم الأحزاب الولائية؛ أي الأحزاب المرتهنة لتوجيهات خامنئي وسليمان قبل اغتياله، التي تصدت للمحتجين وبطشت بهم على مرأى ومسمع من الرئاسات «الديمقراطية» الثلاث، حتى جاء الكاظمي متفهما لمطالب الباحثين عن الوطن، فنفذ بعض مطالب المحتجين ومنها إجراء الانتخابات المبكرة التي فضحت حقيقة تيارات الإسلام السياسي في البيئة العراقية، فتنادت هذه الأحزاب وجميعها مرتهن لإيران للانضواء تحت مسمى مذهبي يقدم مصلحة المذهب على مصلحة الوطن فانضوت تحت إطار مصطنع يسمى إطار التنسيق الشيعي في محاولة منها لترسيخ الطائفية في الفضاء الاجتماعي خدمةً لأجندتها الحزبية، وهو إطار يصنع بعبعا من بناة أفكاره اسمه المكونات الأخرى التي تحاول ابتلاع المذهب الشيعي حتى يستبيح إقصاءها بشتى الطرق بما في ذلك الاغتيالات والاحتكام لقوة سلاح لا شرعية ولا مشروعية له في ظل وجود كيان اسمه الدولة. 

 إن القاسم المشترك بين تيارات الإسلام السياسي عداؤها للدولة الوطنية، ولذلك فعندما نصف نحن هنا في البحرين سلوك جماعات الإسلام السياسي، كجمعية الوفاق المنحلة ورفيقاتها في السوء بأنه تآمر على الدولة والمجتمع البحريني وخيانة، فإننا في ذات الوقت نربأ بأحبتنا الشيعة كمكون أساسي إلى جنب المكون السني والمكونات الأخرى التي تجهد وتجتهد مع سلطات الدولة في جعل البحرين واحة للتسامح الديني والمذهبي. إن جماعات الإسلام السياسي هي نفسها ولم تتغير منذ نشآتها المشبوهة، وهي التي تحاول دائما أن تعبث بالنسيج الاجتماعي عندما تعمم في الوسط الشيعي فكرة «تخوين» الشيعة لتحصل على التعاطف الذي لم يعد اليوم ممكنا بعد أن اتضحت مقاصد الفوضى التي تزعمتها هذه الجماعات في الدوار، وبعدما انفضحت مؤشرات التآمر والخيانة لتتحول إلى سلوك تآمري ظاهر وواضح المعالم سواء لديها أم لإيران الدولة المجرمة التي تدعمهم أم لـ«حزب الله» الوالغ في الدم العربي من المحيط إلى الخليج، والذي لم ييأس من استعمال الورقة الطائفية في كل حديث له يثير فيه البحرين وشيعة البحرين.

 لقد أصبح العمل على إخراج كل تيارات الإسلام السياسي من الحياة السياسية مطلبًا استراتيجيًا مهمًا وملحًا لبناء مجتمعات متسامحة، قوية بتنوعها، مدنية بولائها للدولة الوطنية والتزامها بقيم المواطنة، فهل إننا حقًا نرى في ذلك أمرًا عسيرًا أو بعيدًا عن المتناول؟ أنا شخصيًا لا أراه كذلك وفق متبنيات بناء الدولة المدنية الحديثة كالتي نحن ننشئها في مملكة البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها