النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عصر الجماهير مازال في طور الطفولة

رابط مختصر
العدد 11919 الخميس 25 نوفمبر 2021 الموافق 20 ربيع الآخر 1443

في عام 1895 أصدر المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون كتابه الشهير «سيكولوجية الجماهير»، والكتاب دراسة جديدة في مجال علم النفس، ولكنه ليس كبقية كتب علم النفس، بل إن هذه الدراسة قد اخترقت مجالات السياسة والأكاديميا وعلم الاجتماع، وصار الكتاب موضع اهتمام السياسيين والعلماء والباحثين. مؤسس علم النفس سيغموند فرويد، الذي أصدر دراساته في علم النفس من الجانب الفردي، كان من أوائل الذين تأثروا بدراسة غوستاف لوبون، وأصدر كتاباً مكملاً تحت عنوان «علم نفس الجماهير وتحليل الأنا». اتخذ فرويد دراسة غوستاف لوبون مرجعاً يسترشد به في دراسته المكملة، ولكنه ربط بين نفسية الجماهير وأرجعها الى نفسية الفرد أي «الأنا»، وهذا المدخل من فرويد يعكس العلاقة الطبيعية بين الفرد والجماعة، أي بين الحزء و الكل، والتأثير المتبادل بينهما. في الوقت الذي ركز فيه غوستاف لوبون على الموجة الجماهيرية التي حولت مسار التاريخ في منعطف جديد، فإن مؤسس علم نفس الجزء (الفرد) تحسس دور الفرد، الايجابي والسلبي، في الكل (الجماهير). فرويد أراد أن يوضح أن الفرد له حضور بملكة الأنا في الكل الجماهيري، بالرغم من أن هذه الجماهير قد اكتسبت شخصية جامعة وسيكولوجية تمتص سيكولوجية الأنا في الفرد في لحظات الهوس الذي يتملك الجمع الجماهيري. الذي أراد أن يوضحه فرويد هو انه ما كان للفرد أن ينخرط في موجة الجماهير ويتلبس سيكولوجيتها لو لم تكن سيكولوجية الأنا مهيئة مسبقاً لهذا الانخراط الجماهيري، مما يعني بعضاً من مكونات سيكولوجية الفرد تدفع بالانا الجزء الى الانخراط في الكل الجماهيري، و ان ارادة الفرد ليست غائبة ولا مغيبة، والدليل ان بعضاً ممن ينخرطون في التجمعات الجماهيرية يتراجعون بإيعاز من سيكولوجية الأنا ويخرجون من التجمع او حتى انهم يستنكرون وجهة التجمع والاهداف التي قد تتبلور منه … اذاً فالفرد حاضر مهما بلغت قوة التجمع وزخمه. فرويد يبين «أن الفرد في الجمع يجد نفسه في شروط تتيح له أن يفك أسر ميوله اللاشعورية المقموعة … وإن (الحصر الاجتماعي هو الذي يؤلف نواة) «الضمير الأخلاقي»… ويضيف، «إن السيكولوجيا الجمعية هي أقدم سيكولوجية بشرية، والعناصر التي أفادتنا في تكوين السيكولوجيا الفردية لم تتميز عن السيكولوجيا الجمعية القديمة إلا في زمن متأخر، وتدريجيًا، وبصورة جزئية للغاية حتى يومنا هذا». إن السيكولوجيا الجمعية القديمة التي يشير اليها فرويد مرتبطة تاريخياً بقائد او زعيم او مؤسسة دينية او عسكرية (الجيش)، بينما السيكولوجيا الجمعية اليوم مرتبطة بمفهوم العدالة للمكون الجمعي كله، أي للمجتمع بكامل أفراده … وهذا هو التعبير الأقرب الى «عصر الجماهير».

عصر جديد انبلج مع بزوغ أنوار عصر النهضة وخروج الفكر من سجون التقليد التراجعي، والعقائدية الجامدة المقيدة بحبال من خيوط المفاهيم المعلبة، والاساطير المدرة لعاطفة الانصياع والخنوع بنفس تطوعي يفتقد الى أوكسجين الحياة. هذا العصر الجديد عبّرت عنه، بقوة و عنفوان، الثورة الفرنسية التي دشنت عصراً لم تعهده البشرية من قبل، وهو «عصر إرادة الجماهير». هذا التحول النوعي والجوهري هو الذي حفز غوستاف لوبون لدراسته والتعمق في الاحتمالات التي تنتظرها الازمان القادمة، أدرك السيد لوبون أن البشرية مقدمة على عصر جديد، وكان موقفه من هذا القادم الجديد هو الخوف والهلع على مصير الانسان، حسب تعبيره وتفسيره المعرفي وطبيعة وعيه الفكري لعالم في مجلات علم الاجتماع واطلاعه على تاريخ الشعوب والأمم. الثورة الفرنسية، بكل ما حملت من أنواع التدمير بالعهد السابق والتمثيل المرعب برموز ذلك العهد، أرعبت السيد لوبون وحفزته لإصدار كتابه المميز في علم النفس الجماهيري، ويؤكد هذا الكتاب أن القيادات السياسية، بكل أشكالها ومسمياتها، أضحت تحت رحمة الجماهير، وإن مقادير الأمم لم تعد تحسم في مجالس الحكام، انما في روح الجماهير. السيد لوبون سبق السيد فرويد بهذه الدراسة التي كشفت عن سيكولوجية جماهيرية جديدة نابعة ومحفزة من الجماهير و من اجل ذاتها، وليست تلك السيكولوجية الجماهيرية المدفوعة بتحريض من الكنيسة او من زعيم سياسي لأهداف خارج مصالح الجماهير، مما يعني أن عصور استغلال الجماهير لتحقيق اهداف النخبة قد ولت الى غير رجعة. ونستخلص من هذا إننا في عصر امتزجت فيه سيكولوجية الفرد في سيكولوجية الجماهير، وإن الفرد يرى كيانه الأنا في كيان الجمع الجماهيري، أي إن العصر هو عصر الجماهير وإن المحفز هو روح الجماهير ذاتها وليس قوى مسيطرة عقائدياً او سياسياً. الذين يقودون الشعوب سياسياً وعقائدياً، والذين يسعون الى إدارة شؤون دول العالم، يشعرون بوعي تام وهاجس مربك أنهم أمام تحدٍ كبير لا بد من التعامل معه ومحاولة إدارته بالشكل الذي يمكن التقليل من آثار «روح الجماهير». قيادات العالم اليوم … ليست أمام قضايا تفرضها علاقات بين الدول ولكن أمام وفي مواجهة شعوب تحفزها روح جماهيرية … الروح الجماهيرية هي المحفز اليوم، ومصير الحضارة تحت سلطتها … سلطة غير مرئية ولكنها محسوسة، وخاصة من الكبار في العالم (سياسيون ومستثمرون ماليون وقيادات عقائدية )، وهؤلاء الكبار يوظفون العقول المتخصصة، من أجل تحديد مسارات للجماهير بغية قتل او تحجيم او تحييد او تقليل وهج روحها … ومن اقوى الأسلحة التوظيفية هي زرع روح الفردانية لكي تهجن روح الجماهيرية، ولكن هذه الفردانية لا تعيش لوحدها خاصة وإن سيكولوجيتها قد تحولت بشكل ارتقائي يربط مصيرها بمصير الجماهير، وهي مطعمة بسيكولوجية الجماهير، وهذا ما يفهم من فرويد في كتابه المكمل لكتاب لوبون. هذا التحول النوعي في السلطة المحركة من النخبة الى العامة يفتح الباب أمام تحدٍ للنخبة في مواجهة الجماهير، وتحدٍ للجماهير أمام نفسها.

إلى اليوم فإن التحدي القائم هو بين النخبة والجماهير، ولا ندري كيف ستتصرف الجماهير عندما تجد نفسها محشورة بين أنياب التحدي، عصر الجماهير مازال في طور الطفولة، وأمامه عقود او قرون قبل أن بتبلور هذا العصر الجديد … التحدي المفصلي للجماهير هو قيادة المجتمع وإدارته حسب إرادة الجماهير، الضرورة القيادية قد تربك حركة الجماهير. إن طبيعة التحدي ينذر بمفاجات لا يمكن التكهن بها … هل من تقدم او تراجع … لا ندري ! المهتمون، من المفكرين الجادين والمخلصين، المتعاطفون مع الجماهير، والذين هم خارج التجمع الجماهيري، يرصدون ويرقبون التطورات ويحاولون أن تكون لهم كلمة مؤثرة مع الجماهير. لا يمكن لعصر الجماهير أن يرى النور من غير فكر ومفكرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها