النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11976 الجمعة 21 يناير 2022 الموافق 18 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

ليل الخلافة العثمانية الطويل

رابط مختصر
العدد 11918 الأربعاء 24 نوفمبر 2021 الموافق 19 ربيع الآخر 1443

عندما خرج علينا هذا العنوان حاملاً في طياته تاريخًا طويلاً من الدماء، ظن البعض أنه مجرد كتابة محدثة لتاريخ العثمانيين في المنطقة، لمآثر سلاطينهم، وصولات وجولات مملوكيهم، وعناد ومقاومة المناهضين لهم.

ظن البعض أن للعثمانيين تاريخًا حافلاً من الانتصارات والانتكاسات، من الفتوحات والتنازلات، لم يتصور «البعض» أن الخلافة العثمانية بقرونها الطويلة، وغزواتها الثقيلة، وكابوسها المفزع الرهيب، قد دفنت في طريقها أممًا وحضارات، وهدمت في سبيلها قوميات وشعوبًا ومنارات، وأنها أقامت الحدود بلا حدود، والفواصل من دون فواصل أو شرائع أو مصدات.

من هنا فإن الكاتب والروائي والأديب المصري المعروف محسن عبدالعزيز لم يؤرخ لحقبة والسلام، ولم يهجم على أساطيل هجمت ثم غرقت في بحور من الدماء، ولم يجتزئ الزمان والمكان في مجرد سلطان أسيتاني يحكم بأمر الله من «الباب العالي» وسط هضبة الأناضول، لكنه آثر أن يستنهض وعي أمته من بين الأطلال، وأن يعيد كتابة الحدث من زواياه الأخلاقية والإنسانية قبل أن يختطفه تسييس الدين إلى مناطق مجهولة في التاريخ الإقليمي الحديث.

لقد تجول محسن عبدالعزيز بين الأشلاء والجثث، ثم توجه نحو الصناديق المغلقة للغنائم والسبايا والمناطق المأهولة بالبطش والتنكيل والإلغاء لهويات أمم على خط النار، وأخرى على الخط الفاصل بين المشروع وجيشه الجرار، ثم تلك التي تحدد جغرافيا الوطن المخطوف وسط جوقة من حملة المباخر والرياحين.

 يعتقد من لا يقرأ هذا الكتاب أن العثمانيين جاءوا لنا بالمن والسلوى، وأنهم أعادوا للشريعة السمحاء هيبتها، وللدولة الإسلامية مخالبها وعزتها، وللخلافة أجوائها وأيامها وجدارتها.

ويعتقد من لا يقرأ هذا الكتاب أن العثمانيين أحفاد لعثمان بن عفان، وأنهم هاجروا أو شبه لهم إلى «بين البين» من آسيا وأوروبا، وأنهم حملوا لواء الإسكندرونة من وإلى التاريخ، وأنهم حققوا ما لم يكن للخليفة القوي عمر بن الخطاب فرصة عمر بعد نهاية العمر، وما لم يكن لطارق ابن زياد طريقًا آخر للذود عن مستعمرات الأندلس بعد الصراع المستحكم بين العرب و«الأمازيغ».

لقد سكن في الوعي الجمعي للأمة ذلك المنقذ لماء الوجه، وتلك الحالة من الاستجداء لانتصارات وهمية وبطولات زائفة وعزة نفس لم تكن.

خرج علينا محسن عبدالعزيز بـ«ليل الخلافة العثمانية الطويل»، تلك الحالة الظلامية التي تعبقرت في تفتيت الأمم والقوميات، وتعدت على الحرمات وتجاوزت على المحرمات، وحللت ما لم يكن في الحسبان والقرآن، والسنة النبوية السمحاء.

كشف الكاتب الوجه الحقيقي للعثمانيين، والأسباب التي أدت إلى ذلك التزاوج الفكري بين أمة «أزالت ثم زالت وتلك عُقبى التعدي»، والجماعة التي جاءت من أقصى كهوف الفكر الظلامي المقيت لتستقوي بتاريخ القتل وسفك الدماء المُريع، وتدخل إلى القرن الحادي والعشرين حاملة في أحضانها تحالفًا قوميًا جديدًا رأسه في القاهرة وذنبه في أنقرة وبالعكس، بدنه في قلب الأمة وعصبها الحائر، وأطرافها المترامية في الأسيتانة السابقة، وهضبة الأناضول المارقة.

فتح «ليل الخلافة العثمانية الطويل» الطريق إلى التفكير، إلى إعادة تدوير مخلفات الخلافة، وإلى صيانة وعي جمعي إقليمي يقوم على إعادة الفرز وليس على إعادة الاجترار، إلى ضرورة البحث، وليس إلى حتمية القبول بالأمر الواقع.

إن المنطقة والعالم ظل يطرح سؤاله العويص، ما هو سر الالتقاء بين «أردوغان والأخوان»؟ وما هي مناطق المواساة التي يرتكنون عليها، وعوامل البقاء التي تشحذ فيهم الهمم؟ وما هو مربط الفرس عندما ينطق الموتى عن الهوى، وحين تذهب المياه إلى خارج مجاريها؟

هنا فقط كان لابد من إعادة كتابة التاريخ، من تغيير النظرة لفتوحات لم تكن بفتوحات، وانتصارات ما كان يجب أن تسجل في قوائم «الناجون من النار»، جميعهم عملات زيفتها ماكينات الطباعة الوافدة، وتلك التي تم اختطاف حروفها بروح مفعمة من «ضمير مستتر»، لم يكن «ليل الخلافة العثمانية الطويل» مجرد سرد لحكايا موجعة، أو ترديد لذكريات مؤلمة، لكنه فتحًا مبينًا يضع رؤوسنا على أيادينا، وعقولنا فوق أقلامنا، ووعينا قبل التسليم بأحقية العثمانيين وإخوانهم في تلوين التاريخ على هواهم، وتشكيل «السندس والاستبرق» على خطى من جاوروهم.

إن إعادة القراءة لا تقل أهمية عن إعادة الفرز قبل الكتابة، وإن طرح التاريخ على عواهنه ليس أقل فتكًا من ليل عثماني طويل، ودمع أزلي لا يكفكف من القاهرة أو بغداد أو دمشق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها