النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11983 الجمعة 28 يناير 2022 الموافق 25 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:02AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

أسماء بنت بحر.. «هلا يمه يوسف»

رابط مختصر
العدد 11917 الثلاثاء 23 نوفمبر 2021 الموافق 18 ربيع الآخر 1443

أسماء بنت بحر..

والدتي الأخرى التي شاطرت والدتي شيخة بنت علي الحمدان الحب والحنو والرفق والصبر في تربيتي وتربية شقيقاتي حتى بتنا لا نفرق بينهما وكما لو أنهما أم واحدة في روح واحدة احتوتنا مع أبنائها وبناتها في جسد واحد.

أسماء بنت بحر.. 

عندما أصغي إلى كلمتها الترحيبية الودودة المعتادة «هلا يمه يوسف» عبر الهاتف أو عبر زيارة عابرة إلى بيت العائلة، ينتابني شعور عميق بأن الأمهات يتوالدن ولم يتمن، أو كما لو أن سيدات الحي كلهن أمهاتي، واحدة ترضعني من جميل مخيلتها حكايات تنمو عبرها براعم الحلم والرغبة الجامحة في كتابة هذا الحلم أو التجسد في رحابه، وواحدة تداري مشاغل والدتك الكثيرة فتمنحك فيض حنانها بلا حدود، وواحدة تدمل جروحك وآلامك حتى تشفى إذا استبد بوالدتك أو عائلتك القلق والهلع والخوف عليك مما لا يحمد عقباه، ولكن كل هذه الأمهات تختزلها روح والدتي الأخرى أسماء بنت بحر (أم جاسم) وحدها، فأي أم هي تلك التي تقوم بواجب أم أخرى لعائلة أخرى بجانب قيامها بواجب رعاية عائلتها؟!

أسماء بنت بحر..

سيدة من بنات الرفاع الشرقي الأصيلات، تزوجها العم محمد بن عبدالرحمن بن عريك وهي في عز صباها، فكانت نعم الزوجة والأم والمربية، لم أرها قط ضجرة أو متذمرة، كنت أرى السماحة على محياها والهدوء بالرغم من كثرة مشاغلها المنزلية، فهي بجانب تربية أبنائها وبناتها، كانت تقوم بواجب الاهتمام بمتطلبات أخوي زوجها شقيقهم اللذين يقطنان بجوار بيته، فاللقمة لا تصل إلى فم أبنائها قبل أن يشاركها حمواها نفس اللقمة، وكانت بجانب ذلك تقوم برعاية شقيقاتها وأشقائها، وقد فتح زوجها الطيب الكريم الشهم العم (أبو جاسم) البيت لهم على مصراعيه بوصفه بيتهم ولا يختلفون فيه عن أبنائه في شيء، وكما لو أن الوالدة أسماء ترعى بجانب رعايتها لي ولأخواتي أبناء وسكنة الحي كلهم، وكل ذلك يحدث دون ضجر أو ملل، فالحب لديها سيد كل شيء في حياتها، إنها امرأة نادرة فريدة حقا قل أن تجد مثل هذه الروح في أيامنا هذه. 

أسماء بنت بحر.. 

هي سيدة إعداد موائد الموالد التي يحييها زوجها العم (أبو جاسم) في بيته، والذي يجتمع فيه كل رجال وأبناء أحياء الرفاع كلها، وكانت هذه الموائد بمثابة فرح أو عيد لا يتكرر بسهولة، حيث تجمعنا وزوجها الفنان العم (أبو جاسم) لنعيش هذه اللحظات المبهجة في أماسي البيت المضيء والمشع بالحب والطهر والود. 

أسماء بنت بحر.. 

قرينة الوالدة إن لم تكن شقيقتها، فالود الذي يجمع بينهما لا يضاهيه أي ود، فالجدران التي تفصل بين بيتنا وبيت العم (أبو جاسم) لينة طيعة، وكما لو أنها لم توجد أصلا، فالأصوات تأتلف وكما لو أنها في بيت واحد، والطرق كلها معبدة وكما لو أنها لم توجد في الأصل، واللقاء الذي يجمعنا بهم دائما تشعر وكما لو أنه لم ينته حتى آخر لحظة، ذلك أن البيت واحد، وأسماء الأم التي نحبها هي الأم التي تسكن في قلوبنا. 

أسماء بنت بحر.. 

لم ولن أنسى كلمتها الودودة قبل أن تغادرنا إلى رحمة الله الواسعة وهي في وضع صحي صعب لا نعرف بعد ما مصيرها من بعده، كانت تقول لي وعيناها تشرقان بالحب صوبي وصوب أبنائها وبناتها الذين جمعتني بهم غرفتها التي هي بحجم قصر من الحب والود: «يوم شفتك صرت أحسن اليوم».

وكان الوداع صعبا، ذلك أنها غادرتنا وكما لو أنها لم تزل بعد الوالدة أسماء الشابة الحنونة المشعة، حيث لم يبدو على محياها أي أثر لكبر أو مرض أو شيخوخة. 

جعل الله قبرك أخضر كما قلبك، ونديا كما فجر ربيع روحك البنفسجية العطرة، ومقمرا كما عينيك حين تفيض حدقتيهما الواسعتين المشرقتين بالحب والألفة.

جنان الله تحتويك يا والدتي...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها