النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12134 الثلاثاء 28 يونيو 2022 الموافق 29 ذو القعدة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

صـنّـاع الـتـفـاهـات..!!

رابط مختصر
العدد 11917 الثلاثاء 23 نوفمبر 2021 الموافق 18 ربيع الآخر 1443

نعود إلى الحديث عن التفاهة وصنّاعها، قلنا في موضوع سابق بأنها حالة من التفاهة والركاكة والعبث تحيط بنا، تحاصرنا، توغر جراحنا، حالة يقف خلفها صنّاع ومنتجون ومستثمرون ومخططون ومصممون وداعمون وأبواق ورعاة ومستفيدون، وأصبحت هذه الصناعة بالنسبة لهؤلاء كنزًا لا يفنى..!

نعود إلى الحديث عن التفاهة بعد اتساع حضورها في كثير من مجريات أمور حياتنا، حضورها بات بارزًا بشكل مدروس وبالأخص في برامج التواصل الاجتماعي كالسناب شات والتويتر والفيس بوك والإنستغرام، ودخلت على خط التفاهة أجهزة إعلام مسموعة ومقروءة ومرئية، وأعمال مسرحية ومسلسلات وأغان وكتب وكتابات تصدر ليس لها قيمة، وفي كل تلك المجالات ظهر مشاهير غفلة بلغت شهرتهم الآفاق، وقمة المأساة حين نجد من يتقبل ويرحب ويروّج لهذه التفاهات والعبث بذريعة حرية الرأي والتعبير فيما المبدعون الحقيقيون والإبداعات الحقيقية القيّمة تتوارى، أو لا تعطى الاعتبار اللازم.

 قبل عدة سنوات انتشرت في أكثر من بلد أوروبي لوحات تحذيرية لها معنى عميق مكتوب فيها «stop making stupid people famous»، والمعنى يقول «توقف عن جعل الناس الأغبياء مشهورين»، وهو معنى لا يحتاج إلى تفسير ولا لبس فيه ولا غموض، العبارة باختصار تدعو إلى التوقف عن الدفع بالتافهين، ومن يروّجون للتفاهة أو يصنعونها أو يحرّضون عليها إلى الواجهة، واجهة العمل الاجتماعي، والسياسي، والإعلامي، والثقافي، والحقوقي، والمجتمعي، في كل المجالات دون استثناء، إلى درجة أننا لم نعد نعرف لهذه الألقاب والصفات أي معنى أو مدلول..!

التفاهة تعني ضمن ما تعنيه وباختصار انعدام القيمة الحقيقية وغياب الإبداع والقبول بالرداءة والتصفيق لها وتكريم أهلها، صناعة لها أساتذتها ونجومها ومساندوها وتجارها ومستثمرون فيها، ومن يأخذ جولة على حسابات كثر ممن باتوا مشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي الإلكتروني، ويتمعن في كثير مما يطرح ويروّج وينشر، سيصل إلى هذه القناعة، مشهد فوضوي لا يخلو من الابتذال والسخرية والعبث بالصوت والصورة وبالألوان، والمضحك المبكى أنه مع انتشار نجوم التفاهة ومن أطلق عليهم «المؤثرين» ومن أصبحوا رموزًا في الانحطاط والسخافات. ومع انتعاش صناعة التفاهة على نحو غير مسبوق، وجدنا من يدعو ساخرًا إلى تخصيص يوم عالمي للتفاهة، وإنشاء مجالس عليا للتفاهة، ربما تشجيعًا على كل ما هو جديد ومبتكر في صناعة التفاهة وعالم التافهين، والتعامل مع هذه الصناعة كما لو أنها مطلب استراتيجي يتواكب مع التطور التكنلوجي والعلمي..!!

لم تنجُ أي مهنة من الخلط والتخليط و«التخبيص»، وهناك مهن استبيحت كما لم تستباح غيرها، رغم أنها في الأصل مخصصة لمناصب رفيعة لا ينالها إلا أصحاب علم وفهم وفكر وخبرات ودراية ودراسة، يكفي ما نشهده في بعض المحطات الفضائية التي تبدو كأنها تصنع التفاهة من خلف ستار، وخاصة عبر برامج حوارية، أو أخرى تتناول الأحداث الجارية على الساحة هنا أو هناك، حين نسمع من المذيع عبارة: ولمزيد من المعلومات ينضم إلينا الخبير الاستراتيجي، أو الخبير في التنمية البشرية، أو الناشط الحقوقي، أو الإعلامي، أو الصحافي، أو المستشار، كلٌ حسب الوضوع أو الملف المثار، ووجدنا ناشطين وخبراء ومستشارين في كل شأن ومجال وميدان، ومنهم من يقدم نفسه إلينا، أو تقدمه المحطة التليفزيونية بأكثر من صفة دون عناية أو ضبط، متعددو الصفات والمسميات والمواهب والمآرب والغايات، ووجدنا بعضهم يأكل ويشرب، ويصحو وينام على وقع هذا اللقب أو ذاك، ومن أسوأ هؤلاء أولئك الذين استسهلوا قوالب الكلام واحترفوا محاولات تزييف وعي الناس والتلاعب بعقولهم، وتزوير الحقائق او تلفيقها بلا هوادة، وتحريض الضحايا بعضهم على بعض، في مشاهد ردح مغرقة في الابتذال والمزايدات الرخيصة التي ترتكب علنًا تحت مظلة حرية الإعلام والتعبير عن الرأي..!

الحال نفسه نجده في الكثير من منصات التواصل الاجتماعي التي جعلها كثيرون وسيلة للظهور، يحللون، ويتوقعون، ويفسرون ما يجرى، يقولون ما يريدون بالشكل الذي يريدون، يقفزون إلى وجوهنا عبر «فيسبوك»، يقومون بما يحلو لهم من تحليلات، وابتكار أكاذيب، واستحضار كذبات قديمة، وفي أحايين كثيرة يشتمون، وكأن ما يقولونه أو يروجون له هو القول الفصل، فيما هم واقعًا بلا فكر، ولا منطق في الكلام، ولا تحليل معتبر، ولا بيان لحقائق، والإنسان الواعي، أو المتابع الجيد يستطيع دون عناء ملامسة ضحالة وخوائهم الفكري، والمشكلة لا تكمن فقط في ممارسة أولئك هذا الدور الذي يجعلهم صنّاع تفاهة بامتياز، وأصبحوا سلعًا رائجة، وإنما أيضًا في أولئك الذين يرددون هراء أولئك من دون قصد، تحت مدخل عنوانه «كما وصلني»، أو «سمعت»، أو «قال لي فلان»، ليصبح هؤلاء شركاء في بث المعلومات المضللة والسموم والتفاهات..!

صناعة التفاهة وجدناها أيضًا في بعض من استهواهم التمادي في أن يسبغوا على أنفسهم، أو يقدموا لنا في بعض وسائل الإعلام بصفة «مفكر استراتيجي»، أو «مفكر إسلامي»، وكأن الواحد منهم يحيط بكل شيء علمًا، يمتلك اليقين ويحتكر الصواب، فيما هم في واقع الأمر لا يطرحون فكرًا، ولا رؤية فكرية ولا إسلامية، ولا إسهامات فعلية لهم في هذا الشأن أو ذاك، ولا أي نوع من المشاركة المعتبرة المتميزة بالعمق والتحليل المعتبر والفكر الجاد، بل لا يتمتعون بأي إرهاصات حقيقية لفعل التفكير، ولم يكلف هؤلاء أنفسهم معرفة، ماذا يعنى أن يكون المرء مفكرًا بالفعل؟ ما هي صفات المفكر؟ وما هي القيم التي يلتزم بها المفكر؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تفرض نفسها، يكفي هؤلاء ما أطلق عليهم من وصف: إنهم نوعية من الناس من طراز رديء، يستخفون بعقول الناس ويصنعون التفاهات ويروّجون لها..!

صناعة التفاهة تتجلى في إصرار البعض على تهميش منظومات القيم، وهذا الصعود الغريب لقواعد تتسم بالرداءة في كثير من الأمور والميادين، وتسيد أعمال منحطة عوضًا عن الأعمال التي تتسم بالجدية والجودة والرقي، يكفي التمعن في كثير من الأعمال الفنية السائدة على الساحة الغنائية، أو الموسيقية، أو السينمائية، أو المسرحية، أو الدرامية، وحتى الأدبية أو تلك المحسوبة على الأدب، وكذلك التمعن فيع بعض من وصلوا إلى وسائل إعلامية وصحافية وبعض مؤسسات المجتمع المدني لنتيقن إلى أي مدى تمضي هذه الصناعة، وإلى أي مدى باتت شريحة من صنّاع وتجار التفاهات والاستهبال والابتذال تفرض نفسها، وكيف أصبحت التفاهة وللأسف الشديد بضاعة رائجة هذه الأيام تخدم أغراض السوق، أو تخدم هدف التلاعب بالعقول، بدلاً من زرع روح الإبداع والجدية واحترام العقل والإنسان..!

في هذا السياق يمكن التذكير بالقائمة التي أعدها المفكر «نعوم تشومسكي» واختزل فيها الطرق التب تستعملها وسائل الإعلام العالمية للسيطرة على الشعوب اختزلها في 10 استراتيجيات أساسية، من أخطرها تشجيع الناس على استحسان التفاهة والرداءة والقبول بها والسماح بتوسيع نطاقها وإقناع الناس بأنهم يواكبون التطور، والهدف أن يسيروا رعاعًا كالقطيع نحو كل ما هو تافه ورديء!، كلام جدير بالتأمل والتفكر.

في كتاب عنوانه «جعلوني تافهًا» ركز مؤلفه مازن أشرف على ما أسماه تشريد سمعة التفاهة، ودعم كل خطوة يراد منها الانتصار على التفاهة، ويستعرض قصص بعض التافهين ممن توغلوا في مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص موقع فيس بوك، منهم من يعيشون دور الوطنيين ويهتفون في صفحاتهم بالوطنية، ومنهم من يتحرش بعقول الناس ويهينهم، ومنهم من يستخف بهم فكريًا، ومنهم من يفتي في شؤون الدين بفتاوى غريبة ليس لها علاقة بأي دين من الأديان السماوية، يحلل ويحرّم كل شيء كيفما شاء، يتزينون بالزي الديني الخارجي قبل اهتمامهم بتزيين قلوبهم بعطر الدين الداخلي، ويخلص إلى ضرورة مواجهة كل أنواع وأشكال ومصادر التفاهات وعدم التهاون والصلح مع التافهين.

كتاب آخر عنوانه «نظام التفاهة» يشير مؤلفه أستاذ الفلسفة د. آلان دونو إلى ما يراه من انتشار مستشرٍ للتفاهة، ويرى بأن التافهين باتوا كثر من حولنا، يطلون من كل مكان، ويدخلون البيوت عنوة، وما باليد حيلة من طردهم، وتفاهاتهم تحيط بنا، فأينما تولى وجهك تراها بازغة. ويلفت الكاتب النمساوي إلى أن ما يجرى هو وفق منهج مرسوم هدفه نزع السياسة عن الشأن العام، وفصل التزام الإنسان بالقيم والمبادئ والقناعات. وفي السياق ذاته، يمكن التذكير بمقولة الكاتب النمساوي كارل كراوس «هوت شمس الثقافة أرضًا، حتى أصبح الأقزام أنفسهم يظهرون بمظهر العمالقة»، وهو هنا يشير إلى سيطرة التافهين وإحكامهم القبضة على العالم..!

الخلاصة أن هناك من يصنع كل أنواع التفاهات، وهناك من يمررها ويروج لها، وهناك من يهادنها ويتساهل معها، وهناك من يتسلق سلمها ويدخل في لعبتها ويستثمرها، تفاهات فعلاً جعلت بعض التافهين يظهرون بمظهر العمالقة في كل شأن ومجال وميدان، وهذا يثير سؤالاً يفرض نفسه: هل يمكن مواجهة تفاهة التافهين؟ سؤال نترك لكم الإجابة عليه دون أن ننسى أن هناك أخطارًا تهدد مجتمعاتنا يقف خلفها صنّاع التفاهات ومخططون مرئيون وغير مرئيين، ونحن عن كل هؤلاء لاهون..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها