النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11976 الجمعة 21 يناير 2022 الموافق 18 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:49AM
  • العصر
    2:51PM
  • المغرب
    5:12PM
  • العشاء
    6:42PM

كتاب الايام

المصداقية في سطور التاريخ

رابط مختصر
العدد 11912 الخميس 18 نوفمبر 2021 الموافق 13 ربيع الآخر 1443

التاريخ مرجع حاضرنا و يهمنا أن نكون على بينة واضحة مقنعة لا لبس فيها عن هذا المرجع الذي يرسم خطوطا كثيرة في سلوكنا وعقائدنا و مواقفنا وطبيعة تفكيرنا وحتى سيكولوجيتنا الفردية والجمعية. جميع الشعوب والأمم ترتكز في حاضرها على ماضيها المسطور في كتب التاريخ. سطور التاريخ رسم للماضي، والرسم صورة منقولة عن صورة حقيقية، ولا ندري ما مدى الدقة في تقل الصورة الحقيقية بعد رسمها سطورا في أسفار نطلق عليها كتب التاريخ. هل كتب التاريخ تحمل بين سطورها الماضي على حقيقته وبكامل صورته!

عند التدوين والنقل هل تم تدوين كل شيء مثلما كان دون إلغاء أو شطب أو حتى غفلة، أو دون إضافات وتحويرات وتغييرات، هل تم نقل الجميل جميلا، أم تم نقله بصورة أجمل أو بصورة قبيحة، وهل تم نقل القبيح قبيحا أو أكثر قبحا أو جميلا، وهل تم نقل الانتصارات والهزائم في صورة وقائعها وحقيقتها؟! إن الذين نقلوا الماضي، هل كان الدافع علميا وبإرادة شخصية، أم أن النقل كان بفعل الإملاء والأمر من قبل أصحاب الشأن؟ الإرادة الشخصية، هل كانت مجردة في النقل عن مؤثرات عقائدية أو وطنية أو سياسية او مصلحية ذاتية؟ أم في حالة النقل تحت أوامر عليا، أو من أجل كسب لقمة العيش أو كسب رضى ذوي الشأن، أو بكل بساطة النقل بالإملاء دون أمانة علمية أو التزام أدبي واحترام الماضي بحقائقه، فالحقيقة عندما تكون غائبة، وبالأحرى مغيبة… هذه أسئلة شرعية تفرضها الأمانة العلمية في معرفة الماضي حق المعرفة. إن نقل الماضي وتحويله إلى تاريخ ليس فقط من شأن أهل الاختصاص، بشقيه العلمي والكيفي (حسب الأهواء والإملاءات)، ولكن كل إنسان بذاته يتحدث عن ماضي عائلته، عن أمه وأبيه وعموم أسرته أو قبيلته أو عشيرته، والإنسان بتأثير الدافع الفطري، بوعي أو دون وعي، يجتهد في نقل صورة مشرقة ومشرفة عن ماضيه الشخصي المتمثل في مكون كيانه وجماعته… و هكذا الإنسان في عمومه الذي لا سلطان عنده أمام قوة فطرته. الفطرة هي قوة مغروسة في أعماق النفس البشرية بفعل طبيعة الأحياء في الذود عن ذاتها واستمرار وجودها، وهي التي توجه الذهن و تكيف العاطفة، والإنسان لا يسعه إلا أن يستجيب لأوامر هذه الفطرة دون وعي. إن لَي الحقيقة، بتحريفها والتصرف في رسم وقائعها وتقديم صورة مغايرة للماضي، تتحكم في رسمها مؤثرات عديدة، ذاتية و موضوعية، الذي لا خلاف عليه حول هذه المؤثرات هي المصالح الذاتية ومصالح الجهات المتنفذة التي يهمها تقديم التاريخ بما يناسب موضعها السلطوي أو الوطني أو العقائدي أو العائلي، هذه مؤثرات تنطق بذاتها، وهي تعمل بفاعلية في تحريف الحقائق حتى في نقل وقائع الحاضر، فكم من قناة إخبارية أو صحيفة يومية تتناقض وتتباين في نقل حدث معين بذاته نحن شهود عليها، فكيف بالأحداث والوقائع التي تفصلها عنا مسافات من الزمن. العامل الآخر والمؤثر ينبع من عمق الذات هو الفطرة التي تنبع من قوانين الطبيعة وآليات تنفيذها، ويمكن لهذا العامل أن يكون موضع أو موضوع جدل بين أصحاب الاختصاص العلمي في شأن الحقائق التاريخية، وهذا العامل هو الذات بذاته الذي لا مفر منه، ولكن لا يمكن إغفال هذا العامل لأنه من المؤثرات في سيكولوجية الإنسان وتوجيه دفة حياته في شؤون كثيرة.

نحن، بشكل عام، أمام نهجين في آلية نقل صورة الماضي وتدوينه في مراجع تاريخية، دون الاسترسال كثيرا، فإن النهجين بكل وضوح هما، نهج يتسم بالأمانة العلمية والمصداقية وهو نادر الوجود، ونهج مغاير يتسم بفقدان الأمانة العلمية وبالنتيجة عدم المصداقية بقصد وبوعي، وهو النهج السائد. إن جميع المراجع التاريخية لكل الشعوب لا يمكن التأكد من أنها تعكس الماضي بكامل حقائقه وكمال صورته، وهذا الأمر يضع الإنسان امام تحدٍ كبير لإعادة النظر في تاريخه ومراجعة رسومه و نصوصه بغية الاقتراب من حقائق الماضي، لأنه من المستحيل على الإنسان أن يحقق الإنجاز المثالي باكتشاف حقائق الماضي كلها، مما يعني أن مراجع التاريخ لا يمكن الوثوق بها بشكل كامل وبذهنية مطمئنة، وهكذا فإن الشك يطال كل التاريخ المدون لجميع الشعوب والأمم والإمبراطوريات والدول. 

الإنسان الذي تهمه الحقيقة، والذي لا يقنع بكل ما يسمع أو يقرأ، يتنقل بفكره في عقله من موضع اليقين إلى موضع الشك، والشك هو سبيله الوحيد إلى بلوغ موضع الحقيقة، كلها أو بعضها، أو كلما بعدت مسافة الزمن عن الموضوع المطروح على بساط الشك، استعصى على أدوات الشك تحقيق الهدف المنشود، ولا يمكن غلق باب الشك، وبعض من الشك أو جزء منه يبقى قائما يتابع النبش عن الحقيقة بكاملها طالما بقيت بعض، أو معظم، أدوات الشك الاستقصائية دون إجابات مقنعة، ومع هذا الدور غير المكتمل يتابع معول الشك في الحفر، و بين حين وآخر قد يقرب أكثر فأكثر من مواضع الحقيقة. الوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها يستحيل أن يتحقق إلا بالشك، وللشك أدواته ووسائله، فأدوات الشك تبدأ من عدد من الأسئلة والاستفسارات التي من شأنها المساهمة في إزاحة الستار أو العقبات عن الصور الحقيقية للماضي.

إذا كان الإنسان قد انجرف، بجرأة ووقاحة وأنانية مفرطة، خلف أهوائه وبدافع من مصالحه أن يحرف نصوص عقيدته التي توارثها من جد أجداده ويكيف مخرجات تفسيرها وتأويلها، فكيف الأمر مع نصوص تاريخية غير مسورة بقدسية العقيدة… عندما يتحدث الإنسان عن نفسه، وبالمعنى العام والشامل عندما يدون تاريخه، فإنه لا يتردد ولا يرتدع، من أجل مصالحه الذاتية والآتية، أن يجعل من المصداقية والأمانة العلمية سجادا أحمر يدوس عليه، وتكون النتيجة أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقيقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها