النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12095 الجمعة 20 مايو 2022 الموافق 19 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

التعلم للعيش معًا

رابط مختصر
العدد 11912 الخميس 18 نوفمبر 2021 الموافق 13 ربيع الآخر 1443

«التعلم من أجل أن تكون، التعلم من أجل أن تعرف، التعلم من أجل أن تفعل، التعلم من أجل العيش المشترك»، تلك هي مقاصد التعليم الجوهرية كما حددها تقرير «جاك ديلور» الشهير والمعروف باسم «التعلم ذلك الكنز المكنون» والصادر عن اليونسكو سنة 1996. وتتضافر الحجج يوما بعد يوم، لتؤكد العلاقة المتينة بين التعليم والتعلم المدرسي من جهة، ومبدأ العيش المشترك أو العيش معا من جهة أخرى؛ فهذا المبدأ وهو أحد أربعة أعمدة يقوم عليها التعليم والتعلم، هو مقصدها الجوهري. فما أبرز دواعي التذكير بهذا الطرح اليوم؟ وأية علاقة ممكنة بين التعلم وقيمة العيش المشترك؟

 لم يكن العالم يوما على قدر من التقارب والتواصل كما هو عليه اليوم، ولم تكن المجتمعات على قدر من التنوع والاختلاف كما هي عليه اليوم. بل إن المجتمع الواحد، مهما صغُر، لم تبرز اختلافاته ولم تظهر تنويعاته كما برزت وظهرت في أيامنا هذه.

والاختلاف، فضلا عن كونه ظاهرة طبيعية وثقافية، هو أيضا ظاهرة صحية تنبئ بالحركة داخل المجتمعات. غير أن بعض الفئات داخل هذا التنوع، وخصوصا منه الثقافي والديني والاثني والسياسي، ترفض هذا التنوّع وتمقت الاختلاف حتى ليصل الأمر ببعضهم إلى محاولة إقصاء الآخر وطمسه بشكل أو بآخر.

ولعل إطلالة على عالمنا العربي، وخصوصا بعد العام 2011، تكشف لنا صعوبة العيش المشترك في أكثر من بلاد عربية، مما استدعى في أحيان كثيرة منطق القوّة كوسيلة قانونية لدى الدولة، أو التطرف العنيف لدى بعض الجماعات الإرهابية لإقصاء الآخر المختلف بدل الحوار والتفاوض، وهو ما كشف الغطاء عن نسيج مجتمعي هش في العديد من المجتمعات.

«تواجه المجتمعات في جميع أنحاء العالم ضغوطات حادة تتمثل في المشكلات الاقتصادية وأوجه اللامساواة المتنامية، والتنوع والتطرف المتزايدين». على حد تعبير المديرة العامة السّابقة لليونسكو إيرينا بوكوفا خلال حلقة نقاش بعنوان «التعليم في عالم متغير» وهو ما يستدعي ويفرض، في تقديرها، «معالجة هذه التحديات اعتمادا على مقاربة جديدة لمعنى التقدم، كما تتطلب رؤية واضحة لنوع المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه وللتعليم الذي نحتاج أن نستند إليه (...) لذا نحتاج إلى أن نكون أصحاب رؤية في هذا المجال». وانتهت في الأخير إلى الإقرار بــ«إننا بحاجة إلى إعادة النظر في المبادئ الأساسية للتعليم من أجل المستقبل لتعزيز حقوق الإنسان، وتعميق الاحترام والتفاهم المتبادلين، وتلبية احتياجات عالم متغير».

إننا في عالم متغير، للتعليم والتعلم فيه دور عظيم لمواجهة ثقافة التطرف والإقصاء لمجرد اختلافنا في الرأي خاصة ونحن نعيش في هذه مجتمعات متعددة متحركة مختلفة. يقول د. رجب بن علي العويسي: «لذا كان من المهم أن تعمل مؤسسات التعليم على ترسيخ هذا الفكر وتأصيل هذه القناعة وتربية النشء على قبول الاختلاف والتعايش مع الآخر».

وهكذا يبدو للتعلم الدور الأبرز في غرس قيم العيش المشترك، ومن ثمة تكون العلاقة سببية بين التعلم والعيش معا؛ فالأول وسيلة لتحقيق الثاني، لذلك من الضروري العمل على حسن انتقاء المحتوى التعليمي والوسائل التنشيطية والبيئة الصفية والمدرسية المناسبة كي يحقق التعلم واحدا من أهم أهدافه، ويغرس قيمة العيش المشترك على الرغم من الاختلاف الذي ما فتئت رقعته تتسع، وآثاره تنعكس على المجتمعات بما يمكن أن ينجر عن سوء إدارته من أحقاد قد تحمل الأجيال اللاحقة أوزار جيلنا وخيباته.

وإذا كان للإعلام بمختلف أشكاله والمنابر الثقافية والدينية والرياضية، دور كبير في تعزيز قيم العيش المشترك وتفادي صور التطاحن الاجتماعي والثقافي والسياسي، فإن التعليم يتحمل بدرجة أكبر المسؤولية في ترسيخ قيم العيش المشترك وتحقيقها واقعا لا قولا فقط. 

وإذا كان الإعلام بحكم خصوصيته أو المنابر الثقافية والدينية بحكم وظائفها قد تحيد أحيانا ولو نسبيا عن هذا المقصد، فإنه من غير المسموح للمدرسة أن تحيد عن هذا المقصد النبيل: التعلم من أجل العيش المشترك لبناء السلام في عقول الأطفال وفي تصرفاتهم منذ سنوات المدرسة الأولى.

نحن في زمن تواجه فيه المجتمعات أشكالا جديدة من عدم المساواة، والاستبعاد، والعنف، والطائفية التي تزيد التوترات والنزاعات على الصعيد المحلي. لذا علينا أن نتعلم العيش معا، والعمل معا، وأن نتهيأ لإدارة النزاعات بما يتماشى مع قيم التعددية والتفاهم المتبادل حتى نعيش معا جنبا إلى جنب بسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها