النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11983 الجمعة 28 يناير 2022 الموافق 25 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:02AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

أول مرة أعرف فيها شكسبير..

رابط مختصر
العدد 11910 الثلاثاء 16 نوفمبر 2021 الموافق 11 ربيع الآخر 1443

ذات صباح من صباحات ربيع ستينيات القرن الماضي، اصطحبني والدي معه إلى سوق المنامة القديم، بغرض شراء مكيف هوائي للمجلس الجديد في بيتنا من محال التاجر يوسف بن يوسف فخرو الذي أصبح بحكم تردد والدي عليه لشراء بعض المستلزمات الكهربائية التي يحتاجها البيت، مثل الثلاجة والمراوح وبعض أجهزة الإنارة، صديقا حميما للوالد، وصار ينتظره كل يوم إجازة من كل أسبوع، يحتسي القهوة والشاي معه، ويتحدث معه في شؤون الحياة العامة، ولا يخرج والدي من محله إلا ومعه بعض الهدايا اللطيفة التي جعلتني أصر على الوالد في إجازة كل أسبوع أن نذهب لمحلات يوسف بن يوسف فخرو كي أحظى بإحدى هداياه التي هي أشبه بالدعاية لهذه المحلات.

أذكر أن في هذا الصباح توقف سائق التاكسي الذي احتوتنا سيارته (الدودج) ذات المقاعد الجلدية المسطحة، قرب مبنى البريد القديم المواجه لباب البحرين، وترجلنا أنا ووالدي منها بغرض التوجه إلى محال يوسف بن يوسف فخرو، إلا أن ثمة مشهد حي باغت عيني لحظة مغادرة التاكسي، الأمر الذي جعلني وبشكل لا إرادي أسحب يد والدي إلى الخلف عله ينتبه لهذا المشهد الذي استوقفني حينها فيقف بجانبي ليرى ما رأيت.

والدي انتبه لترددي في مصاحبته، وانتبه لعيني اللتين تتجولان في مواقع أخرى غير الاتجاه الذي رسمه لخطواته، فسألني: ما بك؟ لماذا تتلكأ في المشي؟ 

أجبته وأنا شارد عن أسئلته: أبي.. انظر إلى هذا الرجل!

الوالد: أي رجل تقصد؟ في السوق رجال كثر يا ولدي!

أشرت بسبابتي على رجل يأتزر إزارا مخططا ويرتدي قميصا أبيض ويغطي رأسه بكوفية بيضاء مزخرفة ويحمل بيده كتابا، ويردد بعض الكلمات الغامضة باللغتين الإنجليزية والعربية، ويبدو في بعض ما يردده من كلمات وكما لو أنه غاضب، أو كما لو أنه يشتم أحدا، كما أنه يسرع في مشيته ويتوقف فجأة ليفتح الكتاب، ثم يغلقه ثانية ويمضي مسرعا في محيط دوار يصل بين مبنى البريد وباب البحرين ومواقف سيارات التاكسي والشارع المؤدي إلى البلدية المركزية القديمة والشارع القادم باتجاه الدور والذي تحدد ملامحه دار الحكومة ومحكمة البحرين القديمة.

قلت للوالد: أقصد هذا الرجل.. لماذا يحمل هذا الكتاب ويمشي بهذه السرعة ويتكلم مع الكتاب وتارة مع نفسه؟ ماذا يقول؟ 

أجاب الوالد وهو يبتسم: إنه سيد القطري كما يقال، ويقال أن الكتب التي يقرأها أفسدت عقله، كان يشتريها من مكتبة النصارى (مكتبة العائلة) المجاورة للمستشفى الأمريكي والذي يطبب فيه ويمرض أطباء وممرضون نصارى أيضا، إن حكايته طويلة يا ولدي، ولو سردتها لك الآن لما وصلنا لمحال فخرو ولعدنا إلى البيت بعد أسبوع (وهو يضحك).

سألته: ولكن ما هو الكتاب الذي بيده؟ ولماذا يلوح به؟ ولماذا لا يقرأه في بيته؟ 

أجاب: أنا يا ولدي لست من أبناء المنامة حتى أعرف عنه كل شيء، ولكني اعتدت على رؤيته وهو في هذه الحال منذ سنوات، المهم سنسأل عنه التاجر يوسف بن يوسف فخرو، فهو ابن السوق ويعرف أهل المنامة كلهم تقريبا، فبالتأكيد هو يعرف ماذا يقرأ.

ربت على كتفي، وشد يده بيدي، ومضينا نحو المحل وهو يقول لي: أسرع فهناك عند يوسف فخرو هدية تنتظرك.

غصنا في زحام سوق باب البحرين (المسقف)، وإن كانت عيناي تأبيان مغادرة هذا الرجل الغريب الشكل والأطوار، حتى استقر بنا المقام عند التاجر يوسف بن يوسف فخرو، وعنده انهمرت أسئلتي عليه عبر لسان والدي، لأعرف من إجابات فخرو المصحوبة بالابتسامات تارة وبالضحك تارة أخرى، أن هذا الرجل (سيد القطري) تعود أن يجوب بكتبه في أكثر من مكان، تارة قرب (البقيشة) وهي أشبه بحديقة دائرية أشبه بالدوار، يتواجد فيها غالبا أبناء الجاليات الهندية، وهي قريبة من مبنى شركة بتلكو القديم ومن القلعة، وتارة قرب المستشفى الأمريكي، وتارة أخرى قرب باب البحرين، وهو كما يقال درس المحاماة ولكنه مولع بالأدب والقراءة في كل شؤون، ومن كثرة تبحره في القراءة اختل عقله، ومن المعروف عنه، أنه يتخيل الشخصيات التي يقرأها من هذه الكتب، فيكلمها، بل يتقمصها وكما لو أنه هي، ومن أهم الكتب التي كان يقرأها وباللغة الإنجليزية، مسرحيات شكسبير، وهي الوحيدة التي يصحبها معه في المواقع التي يقصدها. 

إنه في الواقع يمثلها، ولكن الناس والمارة لا يعرفون من شخصيته سوى المجنون أو المختل عقليا، بل إنه زار مستشفى الطب النفسي وكان يسمى آنذاك مستشفى المجانين، زاره أكثر من مرة، ولكن حين وجدوه أنه غير مضر وغير مؤذ للناس ولعائلته، سمحوا له بالخروج من المستشفى، فماذا يعالجون فيه وهو الذي يباغتهم بحكم شكسبير التي يصعب أن يستوعبها المشرفون على علاجه؟ 

يلتفت إلي الوالد بعد أن استمعت معه لحكاية القطري، وهو يقول: هل عرفت الرجل الآن؟ 

أهز رأسي بالإيجاب وإن كنت مسكونا برؤيته مجددا، فهي أول حالة تصادفني في حياتي أرى فيها مثل هذا النوع من الرجال والحالات.

ينهي والدي حديثه مع بن فخرو، واستلم الهدية منه، وأقبله على رأسه ممتنا له، ونمضي والوالد باتجاه مبنى البريد بعد إصراري عليه، إذ كان الوالد ينوي اصطحابي معه صوب موقف السيارات القديم بسوق المنامة المواجه لشارع الشيخ عبدالله والقريب من سوق الحراج وسوق الأربعاء.

وحين وصلت وإياه إلى الدوار المواجه لمبنى البريد، انشغلت عيناي بالمواقع التي يتجول فيها هذا الرجل بكتابه الشكسبيري، ليقول لي الوالد: لقد غادر المكان وغدا سيأتي.

ظللت طوال الطريق إلى البيت أتخيل هذا الرجل وماذا كان يتخيل وهو يتمتم أو يبدي غضبه أو يسرح بذاكرته أو مخيلته وهو يملي عينيه في الكتاب.

في هذه المصادفة أتعرف لأول مرة على كاتب مسرحي اسمه شكسبير، وتخيلت بعد مضي سنوات، أن هذا الرجل ربما كان شكسبيرا بحرينيا ولكننا لم نكن نعرفه، ولربما هو أول من عرّف أهل المسرح في البحرين بشكسبير وبلغته الأصلية، ولربما أصيب بمثل هذه الحالة لأنه لم يجد من يؤازره حلمه الشكسبيري، وحينها تمنيت أن أحظى بواحدة من مسرحيات شكسبير وعالمها العجيب الغريب، بدلا من هدايا الأطفال التي كان التاجر يوسف بن يوسف فخرو يفرح قلوبنا بها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها