النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11982 الخميس 27 يناير 2022 الموافق 24 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:02AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:17PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

هل نتسامح معهم..؟!

رابط مختصر
العدد 11910 الثلاثاء 16 نوفمبر 2021 الموافق 11 ربيع الآخر 1443

يصادف اليوم الثلاثاء 16 نوفمبر اليوم العالمي للتسامح..

هذا اليوم دعت إليه منظمة اليونسكو في عام 1995 واعتمدته الأمم المتحدة لتكون مناسبة تذكر الجميع بأهمية العمل المستمر من اجل ثقافة التسامح ونبذ الكراهية ورفض التعصب، واللاعنف، واحترام وتقدير التنوع الثقافي والإنساني والاعتراف بكل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وهي القيم والمبادئ التي وجدنا من يسعون ويبذلون كل جهد ممكن لكي نودعها بهدف أن ننخرط في صناعة واقع مؤلم، بائس، يدعو إلى الرثاء وكل ما يروي عطش المفترسين..!

بشكل عام قيل في التسامح الكثير من الكلام الجميل، بدءًا من القران الكريم الذي ورد فيه عدة آيات قرآنية عن العفو والتسامح والتي أعلى مراتبها هي تلك التي تقترن بالعفو عند المقدرة، يمكن كذلك أن نشير إلى إصدار لمعهد البحرين للتنمية السياسية عن التعددية والتسامح قال فيه: «إن قيم التسامح تعني تناغم الاختلاف، هي ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب بقدر ما هي مطلب سياسي وقانوني، كما أنها ليست حقًا يمنح أو مجرد تساهلاً أو تعاطفًا أو تنازلاً، بل اعتراف بحقوق الإنسان والحق بالعيش بسلام ومجموعة الحريات الأساسية التي كفلتها الشرعية الدولية للشعوب على اختلاف مللهم ومذاهبهم الفكرية والدينية والإيديولوجية التي لا يجوز أن تُنتهك تحت أي ظرف»، ويخلص إلى أن هذا التنوع يجب أن يحقق مصدر قوة وإجماع وتماسك عبر تحقيق المزيد من الممارسات الديمقراطية وصولاً لمجتمعات أكثر عدالة تصان فيها مصالح الجميع دون غبن او إقصاء أو تمييز.

إضافة إلى ذلك، هناك أقوال كثيرة عن التسامح، وفي هذا السياق قيل بأنه بالتسامح تبني الأوطان وإعلاء شأنها ومقامها، وقيل بأنه كقيمة هي الأنفع والأرفع ويمثل زينة الفضائل خاصة في زمن يشهد فيه العالم أنواعًا من الصراعات والتطرف والتعصب، وهناك من قال إن التسامح سلام مع النفس ونور يضيء القلوب، وبأنه أرقى أنواع النسيان، وشكل من أشكال التعبير الإنساني، ووجدنا من يرى في التسامح بأنه أكبر مراتب القوة، قوة أكبر من الانتقام، وهناك من وصف التسامح بأنه مهارة من مهارات الحياة، مهارة تتطلب عدم التعصب، أو العنصرية، واحترام الاختلاف مع الآخرين، والتركيز على القواسم المشتركة بدلاً من التركيز على الاختلاف والتأزيم والكراهية، ويمكن أن نذكّر بمقولة لفولتير «التسامح من اختصاص الإنسانية، كلنا مليؤون بالضعف والأخطاء، فدعونا نعفو بشكل متبادل عن حماقاتنا، إنه القانون الأول للطبيعة»، والخلاصة أن التسامح لا غنى عنه خاصة في هذا الزمن الذى نشهد فيه أكثر من أي وقت مضى حيث من يسعون دون هوادة إلى خلق صراعات دينية وعرقية ومذهبية في العديد من دول العالم، كما شهدنا من يريد ولازال تحويل منطقتنا العربية الى دويلات وطوائف تتناحر وتتصارع في ما بينها لنبقى شعوبًا مستضعفة ومقهورة وقوانٍ مبعثرة وكرامتنا مهدرة وعاجزين أو غير جديرين بصناعة الغد الأفضل..!

ولكن هل نستطيع التسامح مع من سرقوا وطنًا عربيًا اسمه كان ولازال وسيبقى فلسطين، ونكّلوا بشعبه الذي سطّر أروع بطولات الصمود والنضال ضد المحتل وتحمّل منه ما لا يحتمل من جرائم وانتهاكات لحقوقه التاريخية والإنسانية، هل يمكن أن نتسامح مع من يستهدف بإخلاص وتفانٍ تصفية القضية الفلسطينية، هذه القضية التي إن ننسى فلا ننسى، حتى ولو نسي أو تناسى المطبّعون ستبقى القضية المركزية للعرب وامتحانًا يوميًا لضمير العالم، ومواقف الشعوب العربية، في المقدمة منها شعب البحرين، واضح تجاه هذه القضية لا لبس فيها ولا غموض.

هل يمكن أن نتسامح مع من لا هم له إلا انفلات زمام التطرف والتعصب وبث سموم الكراهية والفتن والضغائن وخلق صراعات لم تعد مبطنة واضح من يقف وراءها علنًا ومن يقف وراءها سرًا موقفه أوضح، والهدف جعلنا نعيش حالة من التوحش والبشاعة، ونتأقلم مع عذابات مستعادة، ومرتهنين لمآربهم في تغييب عقولنا وتعميق جراحنا وإغراقنا في الأزمات إلى ما لا نهاية، أزمات يعرف الجميع دوافعها وتبعاتها وتكلفتها؟

هل يمكن التسامح مع أولئك الذين يريدون لنا البقاء في دائرة المراوحة والترهل، ندور في حلقة مفرغة تلو حلقة، تتجاذبنا الأهواء والمصالح والإرادات المتضاربة والمتصارعة، وأن نقبع في زوايا متدحرجة من التوجس أو القلق أو الخوف مما هو آت، وهل يمكن أن نتسامح مع من أولئك الذين يخادعونا حين يظهرون بأن «جعجعاتهم» انتصارات، وأن «معاركهم الخاصة» هي معارك المجتمع الحقيقية، وأن «أرباحهم الخاصة» هي إنجازات عامة، وهم الذين يشكّلون منبعًا للمشاكل والبذاءات والعلل.

هل نستطيع التسامح مع من لا همّ لهم إلا أن نعيش في واقع مضطرب، واقع يفرز التسطيح والتجهيل والتحجر والتخلف والتكفير والبؤس المنتج بؤسًا بالسر أو بالعلانية، ندمن التشكيك وكره بعضنا البعض، وأن نكون أسرى التضليل والتشويه والتزييف والدوران في حلقة مفرغة لا نعرف بدايتها من نهايتها تقحمنا في مشاريع ومشاكل عبثية والدفع بها لتكون مزمنة ومركبة ومتفاقمة وقابلة للاستثمار من طرف من جعلوا حب الوطن والوطنية مجرد بزنس بعلم وسوء نية، أو جهل وقلة وعي، أو لحسابات أحسب أنها معلومة؟

هل نستطيع التسامح مع يتنازلون عن موقعهم كنواب يمثلون على الشعب ولا يمثلونه، ويتنصلون بشراسة من عبء المحاسبة والمساءلة والمواجهة، لا يتعمقون أو لا يجرؤون إلا على ما يجعلهم غارقون في دائرة الاقتراحات والترضيات والإشادات والمناشدات والمساومات والثرثرات والتصريحات الفضفاضة والتنازلات البعيدة عن معنى العمل البرلماني الحقيقي والخروج به عن نطاق الفاعلية والتأثير والانشغال بقضايا ليست بالضرورة من صلب الصلاحيات التي يجب أن ينشغلوا بها..!

هل نستطيع أن التسامح مع من يريد جعل حركة مجتمعنا المدني ومؤسساته خاملة، ومفتقدة لما ينهض بواقعها وعديمة الإمكانية أو الرغبة أو الحماس أو الدافع للخروج من دائرة الارتباك والمراوحة والتقهقر إلى الوراء، والإبقاء عليها أسيرة لبعض (النرجسيات)، ومن يريدون الإبقاء عليها جامدة ومهمشة حراكًا ودورًا وهيبة ومكانة ومعدومة الأمل والأفق، لسنا في وارد توضيح ما هو واضح، ولكن المؤسف حقاً وفعلاً أن كثيرًا من جمعياتنا ومؤسسات مجتمعنا المدني باتت تعيش مراوحة مترابطة الحلقات، والنتيجة كيانات موجودة شكليًا وميتة سريريًا.

هل نتسامح مع أعداء النجاح وضعاف النفوس الذين لا يرضيهم أن يصبح هناك إنسان ناجح أو متفوق، ينفضوا مسعورين ينبحون، يشوّهون، يعرقلون، يحبطون، ويخرجون ما بداخلهم من غل وحقد وعقد، ولهؤلاء الناجحين نذكّرهم بما قاله شكسبير «لا تأبهوا بالمحبطين، حافظوا على أنفسكم من أعداء النجاح»، إنها صورة من صور عدم توطين النفس على خير ومحبة الآخرين، وهؤلاء بالتأكيد واليقين لا يعرفون معنى التسامح..!

أخيرًا، ثمة حقيقة لا ينبغي ان تغيب عن البال وهي انه لكي نتسامح مع الآخرين.. علينا أولاً وقبل كل شيء تعلّم فن التسامح مع الذات وأن نجيد رفض ما يستفز إنسانيتنا وما يقتل ضمائرنا بأيدينا..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها