النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11980 الثلاثاء 25 يناير 2022 الموافق 22 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

صراع الضدين في العراق

رابط مختصر
العدد 11909 الإثنين 15 نوفمبر 2021 الموافق 10 ربيع الآخر 1443

 رغم أن الظاهرة الإنسانية منفلتة وعصية على مبادئ الحتمية العلمية القائمة في أبسط مقوماتها على القدرة على التنبؤ بمآلات الظواهر وتحولاتها، فإن هذه القاعدة لا تنطبق مع الأسف على بعض الظواهر السياسية التي طبعت عددا من البلدان العربية في العقود الأخيرة. فها هي لبنان التي لها في الذاكرة ما يوازي ما للدول الأوروبية الديمقراطية تقيم فجأة، بعد هيمنة غير منطقية لـ«حزب الله»، نظامها السياسي على مبدأ المحاصصة الطائفية وتتنازل عن ملكيتها الحصرية للسلاح لتبيحها لتنظيم إرهابي كحزب الله، لتتبعها العراق التي أتتها الديمقراطية على ظهر دبابات أمريكية حملت معها فيما حملت باعة الأوطان، وتركت أمر تقرير مصير نظامها السياسي لدستور صيغ على مقاس فكرة الهيمنة الطائفية لمن ظنوا أنهم ضمنوا حكم العراق إلى الأبد. فهل لنا أن نتوقع لمثل هذين النظامين استقرارا؟ شخصيا لا أعتقد بذلك.

 لهذا قإن النظام الذي لم ينتج على مدى ثمانية عشر عاما إلا ألوانا من عوامل إضعاف الدولة وإنهاكها على طريق محوها، أو تفتيتها، أو تسليمها لقمة سائغة لإيران لتتخذها حديقة خلفية لحكمها، لا نتوقع منه إلا أن يحول التنافس على الحكم من صراع برامج وأفكار إلى صراع غربان تتنازع أشلاء وطن أثخنته بالجراح خيانات الداخل وصراعات الطامعين في الحكم من أجل الحكم فحسب أو من أجل إرضاء صاحب النعمة الإيراني. 

 غضب كبير تراكم جراء التفريط بالأمن الاجتماعي ففجر صراعا بين ضدين شيعيين في أكتوبر (تشرين) عام 2019، بين قوى الشر وهي أحزاب الإسلام السياسي (شيعية وسُنية) التي كرست الطائفية والمذهبية عنوانا لحكم العراق على مدى الفترة التي أعقبت غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق وإسقاطها لنظام صدام حسين من جانب، وقوى الخير ممثلة في الشيعة التشرينيين الذين ثاروا ضد هذه الأحزاب ورفعوا عاليا لواء عراقيتهم وانتمائهم القومي العربي شعارا مميزا لهم من جانب آخر. هذه الجماهير الغاضبة ظهرت من رحم المجتمع الشيعي العراقي لتعبر عن سخطها على ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العراق الجريح الذي فقد أبسط مقومات السيادة ومن ثم أبسط مقومات كرامة الوطن والمنتمين إليه قلبا وقالبا وولاء.

 هذا الصراع تفجر عندما خرج الشباب العراقي باحثا «عن وطن» في وسط الخراب الذي خلفته أحزاب السلطة الطائفية الطارئة على الحكم والتي لم تأت لبناء وطن وإنما لنهبه وتهيئة المجتمع العراقي برمته لتقبل التبعية لإيران.. ولكن هيهات أن ينالوا ذلك؛ إذ كانت أولى المطالبات لدى المحتجين هي إجراء انتخابات مبكرة وفق قانون انتخابات جدي، والقطع النهائي مع مجموعة من الممارسات التي أخذت تنخر مقومات المجتمع العراقي مثل المحاصصة الطائفية في تقاسم السلطة والفساد والتساهل في مبدأ سيادة الدولة لتسمح لإيران بالتدخل وبسط نفوذها في شؤون العراق الداخلية. 

 كانت تلك جملة من المطالبات المحقة التي أصر التشرينيون على تحقيقها فأرغموا بها الطبقة السياسية العراقية على الخضوع لها فأنتجت تعديلا لقانون الانتخابات وتم في ضوئه إجراء الانتخابات المبكرة في 10/‏10/‏2021. وقد كان من أكثر العلامات دلالة على نجاح التشرينيين في المشهد العراقي تهيئة الناخب العراقي ونجاحهم في الرفع من وعيه لإحداث السقوط المدوي لأكثر الأحزاب إيرانية، ومنها تكتل الفتح الذي يتزعمه هادي العامري، الإيراني الهوى والهوية، والذي لا يستحي من إعلان ذلك بالأفعال قبل الأقوال.

 هذه النتائج جعلت العراق اليوم في حالة مخاض عسيرة ومكلفة بلا شك، ولكنها ضرورية للخروج من مأزق الوقوع في اللادولة من جهة، والتحرر من هيمنة إيران على القرار العراقي من جهة ثانية، ولتفتح لجميع مكونات المجتمع العراقي فرص دخول آمن في العملية السياسية على أساس المواطنة المتساوية من جهة ثالثة. غير أن هناك معضلة رئيسة تعيق هذا التحول وتمنع حصوله في الوقت الراهن، وتتمثل هذه المعضلة في الميليشيات المسلحة التي ارتهن ولاؤها كليا لمعممي قم؛ فهذه الميليشيات قادرة بقوة السلاح على فرض أمر واقع، وعلى الانقلاب على كل محاولة إصلاح سياسية قد تقصيها من صدارة المشهد السياسي تمهيدا للقضاء عليها؛ فالمسألة عندها تتجاوز حدود رهانات العمالة لإيران؛ لتصبح رهان وجود؛ إذ هي أول من يعرف أنه لا يجوز عقلا ومنطقا أن توجد تشكيلات عسكرية ميليشياوية والدولة قائمة.

 لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المنعطف الخطير الذي يمر به العراق هو: هل سلمت الأحزاب الطائفية بنتائج الانتخابات التي كانت نسبة المشاركة فيها متدنية؟ في الواقع إن الإجابة هي كلا، بل وفي استنساخ سمج للمحتجين التشرينيين، دفعت الأحزاب الخاسرة، وهي في معظمها أحزاب موالية لإيران، ميليشياتها إلى ساحة التحرير للاحتجاج على نتائج الانتخابات بحجة تزوير لم تعلنه أي جهة راقبت الانتخابات العراقية! 

 الحقيقة الموجعة أن الأمور ذاهبة إلى مزيد من التصعيد بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي تعد حظوظه قوية للفوز بولاية جديدة بعد إكمال ولاية عادل عبدالمهدي، الذي أرغمه التشرينيون على مغادرة منصب رئيس الوزراء، بُعيد فوز الصدريين بأكثرية أصوات الناخبين، وأن هناك فرقا شاسعا بين احتجاجات التشرينيين و«احتجاجات» الطائفيين، فالأولى وضعت مصالح الدولة العراقية في اعتبارها، والثانية لا تضع إلا مصلحة الأحزاب الطائفية، الخاسرة وغير الخاسرة في اعتبارها.

 المشهد السياسي في العراق غامض، وغموضه ليس بسبب تعقد مشكلته وإنما بسبب تعدد الأطراف الطائفية المختلفة حتى فيما بينها. وكما نلاحظ فهذا الاختلاف اليوم ليس حول نتائج الانتخابات فحسب وإنما هو أيضا حول عملية اغتيال مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي، فالأحزاب الميليشياوية تظن أن التخلص من مصطفى الكاظمي يهيّئ لها الفرصة للضغط حتى يُنصب رئيس وزراء آخر يكون طبعا أكثر ميلا لإيران وأقل رغبة في توسيع مدى التعاون مع الدول العربية وخصوصا دول الجوار العربي وخاصة منها المملكة العربية السعودية. 

 ما ينبغي يدرك هو أن ما يضير الأحزاب الميليشياوية في العراق أمران: أولهما سحب العراق من الهيمنة الإيرانية والرجوع إلى الحضن العربي، وثانيهما عودة التوهج لواحد من أهم مطالب التشرينيين التي يلخصها شعار استمر رفعه لعامين وهو«إيران برع برع»؛ ففي تحقق هذا الشعار شهادة وفاة هذه التنظيمات، وشهادة ميلاد عراق جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها