النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12182 الإثنين 15 أغسطس 2022 الموافق 17 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:45AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

المال والاقتصاد وزيادة الماء على الطحين

رابط مختصر
العدد 11898 الخميس 4 نوفمبر 2021 الموافق 29 ربيع الأول 1443

من المعروف في عالم الاقتصاد والثروة ان الانسان عاش عصورًا عديدة اخذت من تاريخ وجوده زمنًا طويلاً لم يكن يعرف النقود، وهي مادة التداول (المال) في عمليتي البيع والشراء، او تبادل وتداول الحاجيات الحياتية المختلفة، فهذه المادة العجيبة الساحرة لم يكن لها حضور في عقله، والعقل، حينه، كان يعيش محنة تبادل الحاجيات دون وسيط يوفر عليه محنة مبادلة الشيء بشيء آخر في عملية يسميها الاقتصاديون «المقايضة». كانت عصور ما قبل انتاج فائض الحاجة، اي قبل نشوء السلعة، والسلعة بحد ذاتها لها تاريخ يمتد من عصرها البدائي الى العصر الذهبي تحت وصاية ورعاية النظام الراسمالي السائد. السلعة هي روح النظام الراسمالي، حتى انها تخطت وتعدت صفتها المادية الى الصفة المعنوية بأشكالها وتدرجاتها، بمعنى أن الضمير اصبح سلعة والاخلاق اضحت سلعة، والدين تم تفسيره وتأويله ومن ثم تعليبه وتغليفه كسلعة، والناس فيما يعشقون من بدع هذه السلع المعنوية مذاهب، وهذه قضية أخرى اعمق من موضوعنا هذا. نتيجة للاهمية المحورية للسلعة في النظام الراسمالي، فقد تنبه كارل ماركس لهذه الأهمية فافتتح كتابه المرجعي «راس المال» في الفصل الاول من الكتاب الاول بموضوع «السلعة». جميع السلع، من مادية ومعنوية، يتم بيعها وشراؤها بمادة النقد وهو جزيء او ذرة من المال. هذا الجزيء من المال برز الى الوجود، بفعل ذكاء الانسان، كبريق من فعل السحر، والسحر، رغم موضعه من العجب امام اعين الناس، إلا انه عصي على عامة الناس، وعامة الناس أعجز من أن يأتوا بمثله. ساد سحر المال وانتهت محنة الانسان في تعامله مع السلعة والحاجة في عمليتي البيع والشراء. بهذا النشوء السحري وما تبعه من قبول واحتضان حميمي كبير بين جميع طبقات الناس، من الملك المالك الى المملوك والفقير الشحاذ وفي مقدمتهم التاجر، تبوأ النقد (صكوك العملات) عرش الاقتصاد، فصار هو السيد الآمر - الناهي في جميع العمليات الاقتصادية، وما وراء العمليات الاقتصادية. لكن رغم هذه المنزلة الوظيفية الرفيعة والمهمة جدًا التي اكتسبتها صكوك النقد (المال) في صرح الاقتصاد وفي مركز المجتمع البشري، الا ان هناك بون شاسع بين المال والاقتصاد، فالاقتصاد، وهو الأساس يعلو على المال، وهو الدافع الى ولادة المال. نشأ الاقتصاد مع ولادة أول انسان، بينما المال اقتضته ضرورات التعامل والتعاطي مع مكونات الاقتصاد، خاصة عندما تعقدت آليات تحريك الاقتصاد وبرزت الحاجة الملحة لتيسير عمليات البيع والشراء. بمعنى أن هذا الوسيط، في بداياته، وهو المال، قد تنتهي صلاحيته الوظيفية مع بروز تعقيدات في التعاطي معه امام ضرورات اقتصادية مستجدة. هذا ليس بالامر المستبعد، اذا لاحظنا ان المال قد تخطى دوره الاساسي الاولي من وسيط في التعاملات الاقتصادية ومعيار للقيمة الى وسيلة لحيازة واكتناز الثروة. مع دخول المال عالم الاقتصاد كوسيط كان لا بد من تكملة مهمة الوسيط باضافة وظيفة معيارية لقيمة السلع، والتفريق في الكم المالي بين سلعة واخرى، هذا المركب بين الوسيط والمعيار كان هو الدور المثالي للمال، وكان المال يؤدي دوره دون المساس بمحورية الاقتصاد. لكن التغيير، وليس بالضرورة التطوير بالمعنى التقدمي، سنة الحياة بمزيج من الارادة الواعية والارادة اللاواعية اللتان هما قوة الدفع في معظم آليات التغيير. تغيرت نظرة الناس ومفهومهم الى المال، فاضحى المال هدفًا بحد ذاته.

بهذا التحول في نظرة الناس ومفهومهم بلغ المال عند الناس شأوًا من العلا ودرجة عظيمة من الأهمية، فتشابه الأمر على الناس بين المال والاقتصاد.. فأصبح الناس يرون الاقتصاد في المال، وان المال هو الاقتصاد، وهم بهذا التشابه عليهم لا يفرقون بين الهدف والوسيلة، وبين الاصل والفرع، حتى ان الفرع طغى وساد على الاصل، ولسان حال الاقتصاد كلسان حال من يعصر قلبه الندم: «بغيناه عون صار فرعون». اليوم مع بلوغ المال هذا المقام شبه المقدس، دون قداسة، فإن حالة من السباق والتنافس الى درجة التناحر تفجرت بين الناس سعيًا لاكتناز اكبر قدر من حجم المال، فقد تصاعد الحجم المستهدف من المال من الملايين الى المليارات، وأصحاب المليارات قد غزر المال عندهم وعليهم فصاروا يسعون الى اسم جديد يختزل صيغة «ألف مليار» الى اسم واحد لتبسيط النطق به والاستمتاع بجمال رنته في الأذن الدفينة في عمق اللاوعي، هذا اللاوعي اللعين الطيب الذي اكتشفه مؤسس علم النفس فرويد. 

ان حال الناس مع المال، وسحر المال على الانسان، بلغ نقطة حرجة في سلوك الانسان وتاثير هذا السلوك على مجمل حالته النفسية وقيمه الاجتماعية ومشاعره الانسانية، مما حفز عددًا من المفكرين، المهتمين بقضايا الانسان ودوره في تقرير مصيره، ان يبحثوا في الامر الذي بلغ مرحلة قضية يتحدد معها مصير الانسان تحت غيوم الانسانية المفقودة، وهذا الوضع السحري الذي يجذب الانسان الى المال دون حساب ولا حدود قد خلق امراضًا نفسية لم تعهدها البشرية من قبل، مفكرون في علم النفس انفتح لهم باب جديد وهو سيكولوجية المال.المال، وهو العبد اصلاً، يخون الاقتصاد، وهو السيد اصلاً، ويخنقه باغراقه في لجة المال!!! أي أن العبد يقتل سيده، وهذا هو مصير الاقتصاد في اعلى مراحل الحضارة عند الانسان.. عندما اضحى المال يقود الاقتصاد فقد الاقتصاد سيادته على المال، وانقلب العبد على سيده، فصار الاقتصاد لعبة بيد المال.. الازمات الاقتصادية هي في الواقع أزمات مالية، أسبابها كامنة في كيفية التعامل مع المال وادارته وليس في الاقتصاد نفسه، والاقتصاد ليس سوى ضحية «كيفية ادارة عالم المال». حتى ندرك كنه الأزمات الاقتصادية، لنعد الى عصر ما قبل الراسمالي، حينها كيف كانت الازمات الاقتصادية، وما كانت أسبابها وحلولها. نحن في عصر رأسمالي خاصيته المميزة هو الازمات المالية وتداعياتها الاقتصادية.. وليست ازمات اقتصادية نابعة من لب الاقتصاد.. المال وسيلة تداول العمليات الاقتصادية.. هذا المال يوزع بشكل غير عادل وتتحكم فيه جهات غير امينة، وهذا ما يؤكده رئيس الوزراء البريطاني الاسبق غوردون براون في كتابه «بعد الانهيار» Beyond the Crash الذي صدر في اعقاب الأزمة المالية التي عصفت باقتصاديات العالم عام 2008.. المال محصور بين غياب العدل وغياب الامانة، وهذا هو السبب الاساسي في دورات الازمات المالية التي تنخر في الاقتصاد وبالنتيجة تعرض حياة الناس لصنوف الامراض الاجتماعية وعلى رأسها الفقر والجوع والجريمة وبانواعها والارهاب بمذاهبه، واشد الجرائم فتكًا بالناس هي الحروب التي تقررها النخب السياسية التي يتلاعب بها سادة المال...

إن علاقة المال بالاقتصاد كعلاقة الماء بالطحين، فإذا اختل التوازن بينهما، خاصة مع الافراط في زيادة كفة الماء، فإن الطحين يغرق في الماء، وعندها لا فائدة من الماء للطحين، فلا يبقى الطحين طحينًا ولا الماء ماءً.. الطحين يغرق في الماء. وهكذا الحال بين المال والاقتصاد، فقد غرق الاقتصاد في لجة المال.. البورصة تتحكم في الاقتصاد، بينما البورصة طاولة للتنافس المالي عبر تسعير لمؤسسات اقتصادية، من تجارية وصناعية، وخدماتية، وآلية التسعير لا تتحكم فيها ظروف العمل والانتاج، ولكن التداول التنافسي على طاولة البورصة، مثل طاولة القمار. بالمختصر المؤلم والجارح والمثير للقلق على الانسانية، فإن الاقتصاد أضحى لعبة على طاولة الروليت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها