النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11983 الجمعة 28 يناير 2022 الموافق 25 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:02AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

المخيم الكشفي فضاء المسرح المفتوح

رابط مختصر
العدد 11896 الثلاثاء 2 نوفمبر 2021 الموافق 27 ربيع الأول 1443

وتتسع خيمة السيرك التي عقدت وصلي بالمهرج الممثل المسكين أثناء زيارتنا رفق الوالد رحمه الله إبان ستينيات القرن الماضي المعرض الزراعي والتجاري الذي أقيم بحديقة الأندلس بمناسبة عيد جلوس المغفور له صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين، لتصبح مخيماً كبيراً واسعاً للأنشطة الكشفية ولمسرح كبير متنوع الأشكال والاهتمامات، يوشك أن يكون كل من ينتمي إليه ممثلا بالضرورة، بدءاً من القادة وانتهاء بالطلبة الكشافة.

وكان أحد أهم المحفزين لي للانخراط في عالم الكشفية آنذاك بمدرسة مدينة عيسى الإعدادية الثانوية، الصديق يوسف السيد عيسى الهاشمي الذي سبقني في الالتحاق بالكشفية، وقد صادف أن أكون معه بنفس الفصل (أول إعدادي أ) ونفس المقعد المزدوج، بعد أن غادرت مدرسة أحمد الفاتح في الرفاع الشرقي، نظرا لانتقال أكثر زملائي من هذه المدرسة إلى مدرسة مدينة عيسى.

وأذكر أن الحافز لي للانخراط في الكشفية، كان عبارة عن (فولار) اصفر وبعض الشارات الكشفية و(بيريه) أخضر، هم بمثابة عربون ود ومحبة من الصديق يوسف الهاشمي الذي ربطتني به علاقة حميمة امتدت حتى دراستنا الأكاديمية بدولة الكويت وإلى الآن.

وما هي إلا أيام حتى يبدأ الاستعداد للمخيم الكشفي الكبير، ولننخرط جميعا، الملتحقون بالكشفية، في معاونة القائدين الأخوين الفنانين الأستاذين مناحي مرزوق والفتان الراحل محمد عواد، واللذين يعتبران أهم من يصمم وينفذ اليافطات القماشية والخشبية للمعسكرات الكشفية في مدارس البحرين كلها، فالأخوين فنانين في الرسم والخط، وإن تفرد الأستاذ محمد عواد عن أخيه الأستاذ مناحي مرزوق بفن التمثيل والإخراج، خاصة وأنه أحد أهم المؤسسين لفرقة أوال المسرحية، بل يعتبر اليوم عميد المسرح البحريني.

وأذكر أن أول مخيم كشفي شاركت فيه ككشاف مبتديء، كان في منطقة (سافره) المجاوره لمدينتي الرفاع الغربي والعوالي، وأذكر أننا نسبق إقامة هذا المخيم وافتتاحه بأيام، كي نجهز مخيم مدرستنا بدءا من سياج موقعه وصولا وانتهاء بنصب الخيام في هذا الموقع وتجهيز المرافق التابعة لها، وذلك دون أن نستخدم أي مسمار لتثبيت أي شيء يخص المخيم، فهي شبه محرمه وهي ليست من شيم الكشافة المخلصين، وكنا نعتمد على الحبال بشتى أنواعها العريضة والسميكة والرفيعة، وإن صادف أن لاحظت لجنة المخيم الكشفي العام أي مخالفة لذلك، تطالب بإعادة إقامة وترتيب المكان بالشكل المتفق عليه وفق النظم والقوانين الكشفية المتبعة. 

وإذا كان لي نصيب المشاركة في النشاط المسرحي بالمدرسة بقيادة الأستاذ الفنان محمد عواد، فإن نصيبي يوشك أن يكون باذخا بمشاركتي في هذا المخيم الكشفي، حيث أصبحت الخيمات وخاصة في المساء لحظات السمر، فضاء حميميا للتمثيل والمحاكاة، وكان أكثرنا ارتجالا في هذه المشاهد والذي يكبرنا سنا حينها الفنان والمخرج المعروف عبدالله السعداوي، الذي يقدم لنا مشاهد مونودرامية فيها الكثير من التمثيل والخلط بين اللغتين العربية الفصحى والدارجة، وكنت ورفقتي في المخيم، مبارك العطوي، شاكر عيد، يوسف الهاشمي، حسن علي، محمد الذوادي، نستمتع كثيرا ونحن نشاهده يرتجل التمثيل، إذ كان بودي لو أن الليل لم ينتهي، حيث سنكون ملزمين صباحا بأداء المهام الكشفية التي تقتضي انضباطا غير عادي، بدءا من تحية العلم التي يقودها رئيس الكشفية في وزارة التربية والتعليم الأستاذ والمعلم والإداري الجليل محمد صالح عبدالرزاق القحطاني، وهو أحد أهم المؤسسين لمسرح الأندية الاجتماعي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وكانت تحيته ذاتها المحببة إلى نفوسنا أثناء رفع العلم صباحا بالمعسكر تنطوي على حالة مسرحية كوميدية تشيع فينا الضحك الدفين والمعلن أثناء أدائه لها، حيث كان (يثئثيء) حرف (السين) لتأتي على هذه الشاكلة: كثاف اثتعد.. راثك فوق.. ثدرك فوق، بمعنى: كشاف استعد.. رأسك فوق.. صدرك فوق..، وانتهاء إلى تنظيف الخيام وساحة الكشفية والمشاركة في الأعمال اليدوية الأخرى التي كما أشرت يحرم فيها استخدام المسامير تماما.

كان المخيم الكشفي مسرحا للحياة بكل تفاصيلها، بل حتى التخطيط للغزوات الليلية التي سيسطو فيها بعض كشافة مخيمنا ليلا على بعض الحاجيات البسيطة، كالبيض أو بعض الأواني، كانت تحتاج إلى إخراج دقيق ومنظم بحيث يمكنك تلبية حاجاتك دون أن ينتبه إليك أحد حراس النوبة الليلية للمخيم المجاور، وما أكثر ما تعرض له البعض من ضرب يوشك أن يكون مبرحا بسبب انتباه حارس المخيم المجاور لمآربهم البريئة، بالإضافة إلى ذلك، كان ينظم المخيم مساء ليالي للسمر، يتم فيها اكتشاف الموهوبين من الطلبة الكشافة في أداء المونولوجات والأغاني الفكاهية والتقليد والتمثيل، وكان أشهر الطلبة المقلدين في المخيم حسب ما أذكر، اسمه (بوجسوم) والمتمكن أيضا في سرعة الإيقاع الهائلة لدى أدائه موقفا معينا من المواقف التي صادفته في المخيم أو التي تخيلها، وكنا نحرص على متابعته حتى خارج إطار حفلات السمر. 

وكانت ليالي السمر تقام في فضاء ترابي يتحلق الكشافة كلهم حوله، مستعينين ببعض القناديل أو الخشب المحروق أو بضوء القمر عندما ينتصف السماء، أو كما يطلق عليه أهل الكشافة نار السمر، وفي هذا الفضاء يتم التفاعل بين المؤدين وجمهور الكشافة، الأمر الذي يدفع أحيانا بعض الجمهور المتحمس أو أحدهم للإنخراط في بعض الفقرات المقدمة في هذه الحلقة الترابية، فيسهم بتشجيع البعض ليصبح هذا الفضاء كله يعج بالمسرح المرتجل الذي لا يقوده مؤلف أو مخرج.

في هذه الحفلات يتاح لأساتذة المسرح والفن اكتشاف المواهب التي يرونها مناسبة للمشاركة في الأنشطة المسرحية التي تنظمها المدرسة أو في بعض العروض المسرحية التي تنظمها الفرق المسرحية الأهلية، أو في بعض الفقرات الموسيقية والغنائية التي تنظمها أسرة هواة الفن، وقد استثمر الأستاذ الراحل محمد عواد الكثير من المواهب التمثيلية للعروض الارتجالية التي كان يقدمها في المدرسة، ومن بينهم حسب ما أذكر، عبدالله السعداوي، وأسامة الدلال رحمة الله عليه، ومبارك العطوي، وعلي يوسف قمبر وكنت أنا أيضا أحد من استثمرهم الأستاذ في مثل هذه العروض المرتجلة، بل كان له كبير الفضل في توجيهي نحو دراسة المسرح بعد التخرج.

وكانت أول منحوتة رملية أشاهدها في حياتي حية تشكل وتجسد أمامي، كانت للفنان الراحل راشد سوار، صاحب الأوفيهات والمواقف الضاحكة والممتعة في حفلات السمر وفي حياته اليومية بشكل عام، وكانت المنحوتة عبارة عن امرأة رشيقة القوام عارية ممددة مستسلمة لشبق صانعها الفنان الراحل سوار الذي ينفث روحه فيها وهو يمعن في تشكيلها، وكنا لحظتها مأسورين منبهرين بهذا المنجز الرملي الجمالي الآسر، ولا أنسى كلمته عندما انتهى من نحتها: ألا تحتاجون إلى فتاة تشارككم حفلات السمر بدلا من (الشماخير)؟ أي الذكور (الجلوف)، وهو يضحك.

كان المخيم يعج بالمسرح أينما اتجهت، لأكتشف بعد ذلك أن أكثر قادة الكشافة في مدارس البحرين، هم من المسرحيين والفنانين المعروفين، ومن بينهم الأساتذة محمد عواد ومحمد صالح القحطاني وراشد سوار وحسين شرفي وإبراهيم صالح وسلمان الدلال، ولنكتشف أيضا أن أكثر الطلبة الكشافة الذين عرفتهم أصبح لديهم ميل للفن والمسرح خاصة حتى صاروا فيما بعد من أهله. 

عند ما عشت وعايشت هذا الفضاء المسرحي المفتوحة أبوابه على مصاريعها للموهوبين والراغبين في الالتحاق بالمسرح والفنون بفضل الأساتذة القادة والأقران المحفزين على حب المسرح والفن، شكرت الله ومن بعده شقيقتي الأكبر مريم، أنني أعدت النظر في عزمي المفاجئ مغادرة المدرسة وأنا لازلت بعد لم يتجاوز عمره الثانية عشر عاما، وذلك استجابة لرغبة طائشة للالتحاق بقسم الموسيقى بوزارة الداخلية، حيث تغيبت عن المدرسة دون علم أهلي ما يربو على الشهرين تقريبا، وحين علموا بذلك اضطرت شقيقتي مريم قطع دراستها الأكاديمية مؤقتا والعودة إلى البحرين وهي في أشد الاستياء والقلق من هذا التصرف غير المسئول الذي بدر مني لترك المدرسة والالتحاق بالموسيقى العسكرية، وقد تمكنت من إقناعي بعد أن أقنعت المدير المساعد بالمدرسة الأستاذ النبيل مصطفى الحسيني بضرورة قبولي ثانية بالمدرسة، ومن ثم غادرت إلى الكويت لإتمام دراستها الأكاديمية، كما أشكر مسئول الأمن السيد حسن عيسى الذي كان بيده قبول هذه الدفعة الموسيقية من عدمه، حين نصحني بعدم الالتحاق بالعسكرية ذلك أن زغب الشارب لم ينبت بعد على شفتي..

وكانت عودة والعوْد مسرح..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها