النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11980 الثلاثاء 25 يناير 2022 الموافق 22 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

وجدتها وجدتها.. حكاية متقاعد

رابط مختصر
العدد 11895 الإثنين 1 نوفمبر 2021 الموافق 26 ربيع الأول 1443

 ثمة قول يتكرر على مسامعنا نحن معشر المتقاعدين همسًا وجهرًا وفي كل حين وهو أن بلوغ السن القانونية للتقاعد لا يعني أبدًا نهاية مطاف البذل والعطاء، وأن التقاعد جزء زمني في المسار الوظيفي ومحطته الأخيرة التي فيها يترجل الموظف من على صهوة أعوام العطاء مودعًا مهنته التي قطع من عمره شوطًا من الزمن، تتفاوت مدده، يتأهل لها. التقاعد، في قول آخر، ليس إلا بداية جديدة لرحلة جديدة محفوفة بالنجاحات ينبغي التخطيط لها. فهل يملك كل متقاعد القدرة والعقل والمال؛ للاحتفاظ بمنسوب عطائه السابق حتى يوجهه وجهة أخرى كأن يُنشئ له مشروعًا صغيرًا يدر عليه ربحًا يسهم في تعويضه عن الفاقد في معاشه التقاعدي؟

 الاستثمار في مشاريع صغيرة، حتى وإن كانت عبر الانترنت، ينبغي أن يتم بإجراء دراسة واقعية لمجريات السوق وآليات العرض والطلب فيه فذلك هو السبيل لتعويض الموظف عما خسره من امتيازات العمل بعد تقاعده؛ ليستطيع الوفاء بالالتزامات الأسرية التي غالبا ما تتضاعف بسبب تزايد أفراد الأسرة، فبعد أن كانت أسرة المتقاعد، في أغلب الحالات شيوعًا، نووية، أصبحت بعد سنوات أسرة ممتدة، ومتطلبات الأسرة النووية ومصاريفها تختلف عن الأسرة الممتدة على أي حال. 

 هذا الكلام ومثله كثير الذي يصم به بعضهم آذان المتقاعدين، وكأن المتقاعد خارج من الوظيفة برتبة مليونير! يقدم لهم في صورة نصائح هي أحيانا كتلك التي تقدم للشباب في هذا الشأن؛ حتى يؤسسوا لمستقبل لا يعتمد على الوظيفة لمحدوديتها في زمن تخضع فيه الوظائف في القطاعين العام والخاص إلى تقليصٍ أو إلى إعادة النظر في جدوى بعضها ممّا يمكن استبدال التقنيات الحديثة بها، ويُعرض عليهم أحيانا أخرى في صورة ملاحظات وتنبيهات ولفت نظر كالتي سرد تفاصيلها عليّ صديق متقاعد في مسألة الاستثمار لسد أبواب الصرف المستجدة والتي بدأ ابنه يستشعر ضغوطاتها من كثرة التململ و«التحندي»، كما روى لي، التي تظهر على الصديق في صور وأشكال متنوعة.

 حكي لي الصديق أنه في يوم من الأيام القليلة الماضية بعد سنوات قليلة من تقاعده، جاءه إبني باش الوجه، وبدا كمن وجد الحل الناجع لإخراج أبيه من حالة الضيق والضنك التي بدت تؤثر في نفسية أفراد الأسرة بسبب تزايد مصاريفه الشهرية وبقاء المعاش التقاعدي الذي يتقاضاه كل شهر على حاله. وصف الصديق هيئة ابنه وهو يفاتحه بفكرة المشروع قائلاً: «أعلنها وكأنه أرخميدس في صيحته المشهورة (وجدتها وجدتها) التي أعلن بها اكتشافه قانون الطفو»، وأضاف الصديق مفصلاً: سألني ابني منتشيًا باكتشافه العجيب، إذا ما كان لدي مبلغ من المال أستطيع أن أستغني عنه لوقت معين. وقد حدد لي مقدار المبلغ، فاستفسرت سائلا: «لماذا هذا المبلغ؟» قال: لتشتري به بعضًا من الأسهم وقليلاً من العملات، وكل ذلك يتم وأنت في البيت، من خلال الانترنت، وحدد لي بعض الأسهم والعملات المربحة. يقول الصديق تجاوبي مع إبني كان ضعيفًا، ليس بسبب عدم الثقة بما فكر فيه، ولكن لعدم وجود معلومات وافية تُطمئن للدخول في مثل هذا المشروع، الذي أعده مقامرة إن فشلت فسيزداد الحال سوءًا على سوء.

 سألت الصديق، إذًا أنت عازم على الأخذ بنصيحة ابنك، وستكون من رجال الأعمال في المستقبل القريب؟! فرد قائلاً: الحقيقة بودي مشاطرته الرأي وتوفير المبلغ الذي اقترحه، ولكن للأسف فقد دخلت من دون أن يعلم أحد من أهل البيت، مشروعا فور حصولي على مكافأة العمل المجزية حقًا بعد التقاعد، وخسرت في أيام ثلاثة مبلغا كبيرا في التعامل بالذهب. لم أرد إخبار ابني بنتيجة مقامرتي تلك حتى لا أحبطه؛ فبودي أن أدفعه ليجرب بنفسه لعله يحقق نجاحا عجزت أنا عن بلوغه وتحقيقه.

 حادثة الصديق مع ابنه وأقواله، وحالته وهو يستحضر خيبة مقامرته الماضية، جعلتني أفكر ليس في وضع المتقاعد فحسب، بل في وضع كثير من الشباب الطموح الذي كثيرًا ما تدفعه حماسة الشباب أو شيء من الطمع في الربح السريع -كحال صديقي- إلى مغامرات غير محسوبة العواقب، فتساءلت فيما بيني وبين نفسي: لِمَ لا نعلّم أبناءنا قواعد السوق المالية، ونمكنهم من مهارات إدارة الأموال حتى لا يقعوا في فخ المقامرة؟ ولم لا نوفر للمتقاعدين خدمات استشارية تساعدهم على حسن استثمار مكافأة نهاية الخدمة؛ ليكونوا بما سيبعثونه من مشروعات في مأمن من الفاقة أو الحاجة، ورافعة أخرى ممكنة من رافعات الاقتصاد الوطني الذي يتقدم بالمؤسسات الصغرى مثلما يتقدم بالمؤسسات العملاقة؟ وكم مشروعا عملاقا انطلق صغيرا، أو انطلق صاحبه في بنائه وقد تجاوز عتبة الخمسين أو الستين من العمر؛ ليخط بقصة نجاحه فيه بداية جديدة لحياته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها