النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

في قلب «الذهب» يتمسرح الدرويش وعنترة معًا..

رابط مختصر
العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443

 إذا كانت حكايات الجدة نورة وجارتنا العزيزة فاطمة بنت عيسى (الغريبة) في البيت وحكايات معلمنا الجليل الأستاذ صالح الرويعي في أول التحاقي بمدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين، تعتبر مدارس تلقيت منها وفيها أبجديات المسرح الأولى، فإن الحي، (الفريج) في مدينتنا بالرفاع، والذي تقطن فيه العائلة، أشبه بمدرسة شعبية واسعة، إذ كان يزخر بنماذج مسرحية شعبية كنا ونحن أطفال نتحين فرصة خروجها إلى الساحات والأزقة، ومن بينها جارنا عبدالله السيد الذهب، نجل المطوع الذي تولى تحفيظي وقراءتي القرآن الكريم، وهو من أصول عمانية، ويقال إنه من منطقة (صور) تحديدا، وكان هو والعائلة الأستاذ سالم مفتاح وأخوانه سلطان وراشد وعبدالرحمن بطي، من أب بحريني، ووالدتهم فاطمة وهي بحرينية تزوجها السيد الذهب بعد وفاة زوجها، وحفيظ ابن عم عبدالله الذهب، كانوا يسكنون بالجوار من منزلنا، وهم بمثابة الأهل حيث كانت الأبواب مفتوحة على مصاريعها للتواصل العائلي الحميم بيننا وبينهم، فوالده السيد الذهب كان يعد (الحلوى) البحرينية والعمانية بمساعدة ابنه عبدالله وابن أخيه حفيظ في مطبخ ببيتنا ويبيعها في الدكان المستأجر هو والمطبخ من والدي رحمه الله على أهل الحي والرفاع، وربما يعتبر السيد الذهب أول (حلواني) في مدينة الرفاع الشرقي.

كان عبدالله السيد الذهب وهو شاب عشريني بهي الطلة متسق القوام، كان في أغلب الأماسي وفي إجازات الأسبوع، يطلي وجهه بالفحم صانعا منه لحيته الخاصة وشاربه العريض المعقود بلحيته، وكان يرتدي عمامة غريبة الشكل والألوان وأكثر ميلا إلى الذوق العماني المأخوذ بالألوان الفاقعة والجريئة، وثوبا قصيرا (مجعلكا) أو متسخا ببعض الفحم الذي يستخدمه للحيته، وتبدو بعض الرقع العشوائية في زوايا وجوانب منه، وكان يرخي على كتفه خرجا أو كيسا قماشيا مملوءا بالفحم وإكسسوارات غريبة تغلب عليها الخرق الممزقة وبعض الأحجار الصغيرة التي لا أعرف سببا حينها لعلاقتها بشخصيته، ربما هي عدة التمثيل والشخصيات التي كان يؤديها وهو يتجول في الحي.

 هذه الشخصية التي يأخذني الفضول للتسلل إلى غرفتها كلما عنّ لي اللعب مع أقراني في بيت السيد الذهب، لأراها وهي تستعد للخروج إلى أزقة الحي، كانت تأسرني كثيرا، لأنها لا تنتظر من يدعوها للتمثيل ولأنها كانت جريئة وقادرة على أداء أكثر من شخصية دون أن تتكلم، ولأنها تمتع أهل الحي كله صغارا وكبارا، ولأنها تدفعنا لتقليدها، ولأنها -وهذا هو الأهم- تمكيج وجوهنا أو تطليها بالفحم وتجعلنا في هيئات مختلفة تدعونا للضحك أحيانا على بعضنا البعض، كانت هذه الشخصية الطيبة الطباع، مبعث متعتنا وسعادتنا في الحي.

 أذكر أن عبدالله السيد الذهب، لا يكتفي بالتجوال في الحي لإثارة فضول أهله كبارا وأطفالا وهو يتقمص شخصية أقرب إلى الصعلوك أو الدرويش أو التائه أو المجنون، كان أيضا يثير أهل هذا الحي وهو يقبل على بعض دكاكينه أو ورش اللحام المنتشرة في الحي، حيث أن أغلب قاطني هذا الحي من العمال المهرة في شركتي بابكو وألبا، وكان يطلق عليه مجازا (فريج) العمال، كان عبدالله الذهب حين يأخذ موقعه في هذا الدكان أو هذه الورشة، يثير فضول أصحابها وروادها، ويظل بعضهم يختبر ذاكرته لمعرفة هذه الشخصية، حتى يصل في نهاية الأمر إلى التعرف عليها سواء من خلالها أو من خلال بعض الأطفال الذين اعتادوا رؤيته كل يوم تقريبا.

وتزداد غرابة هؤلاء الباعة والمورشين في الحي، عندما يعرفون أن عبدالله الذهب هو البائع للحلوى بصحبة أبيه وابن عمه حفيظ، وهو أحد أهم المتطوعين لحراسة بيوت الحي من السرقات الليلية التي انتشرت بشكل غير عادي في فترة من الفترات، إلى درجة أصبحت معها هذه السرقات حكاية يومية يتسلى بها الكبار والصغار معا، وتمتد فصولها إلى عتمة مقابر وادي (الحنينية)، ملاذ التيه بالنسبة للمطاردين للصوص، وعنوان البطولة بالنسبة لمن تمكن من القبض على هؤلاء اللصوص في هذه المقابر المعتمة.

وفي بيت السيد الذهب الذي يسكنه هذا الممثل الصعلوك الدرويش الجوال الأول عبدالله الذهب، الذي تفتحت عيناي عليه وأنا طفل، كان ابن عمه حفيظ الذهب، وهو شاب فارع الطول رقيق الطبع حاد الملامح عنيف إذا اقتضت الضرورة الخروج عن حلمه وهو مولع بشعر عنترة ابن شداد وحكايته مع حبيبته ابنة عمه عبلة، كان يدعونا لقراءة شعر عنترة وتمثيل دوره ودور عبلة وشيبوب والأدوار الأخرى التي سردتها سيرة عنترة العبسي، وكان يصر علينا دائما بحفظ شعره، وكنت في اليوم التالي عندما أذهب إلى المدرسة، أذكر لأقراني هذه الحكاية وكيف مثلتها مع من جمعتني بهم صحبة التمثيل في حينا في بيت الذهب، فيزداد شوقهم لرؤية ما رأيت وتمثيل ما مثلته وللمتعة التي عشتها وأنا أمثل بعض شخصيات سيرة عنترة، فأدعوهم معي للمشاركة في هذه المتعة إلى بيت حفيظ الذهب، وكان البيت حينها أشبه بمسرح صغير للأطفال، لا توجد فيه خشبة مسرح، كنا في هذا الحوش الصغير نتدرب ونمثل وكان حفيظ بعفويته وتلقائيته يقوم بدور المخرج، فيوجهنا في التمثيل، كيف نؤدي شخصية عنترة؟ كيف نؤدي شخصية عبلة؟ كيف نؤدي شخصية شيبوب؟ كيف نؤدي شخصية العبسي والد عنترة؟ وكان الجميل في الأمر، أن هذا البيت المسرحي الصغير يضم معنا بعض الأطفال من البنات، وكن يقمن بدور المتفرجات على العرض، ويحدث ذلك في الغالب، في غياب العم السيد الذهب عن البيت، والذي نال منه هذا الشاب حفيظ قسطا كبيرا من التعنيف بسبب دفاعه عن نفسه في النزاعات التي تحدث في الحي بين الشباب، خاصة وأن حفيظ حين يدافع عن نفسه لا يعنيه إن كان هذا الخصم من هذه الطبقة أو من تلك العائلة، وكما لو أنه يتجسد شخصية عنترة على أرض الواقع، الأمر الذي يسبب حرجا لعمه الذي تربطه علاقة ودية وتجارية بآبائهم.

أذكر أنني مذ عرفت حفيظ السيد وديوان عنترة ابن شداد لم يغادره قط، وكما لو أنه بالنسبة له كل الكتب وأغلى الثروات التي امتلكها في حياته، إلى درجة أنه كان يدربنا على أداء شعر عنترة من خلال ما حفظته قريحته وذاكرته وليس من خلال الديوان، إذ كان يضع الديوان بين أيدينا ويدعونا لتهجي وقراءة أبياته، وكم يكون سعيدا حين نحفظ بعض هذه الأبيات من هذا الديوان.

وأذكر أن غرفة التدريب كم كانت تضج وتعج بالضحك والمتعة إلى درجة أن ما كنا نقدمه من جدية فاقعة في شعر عنترة، يتحول إلى كوميديا أو مواقف هزلية، خاصة ما إذا تعلق الأمر بتمثيلنا نحن الأطفال الذكور أدوارا أنثوية كعبلة أو وصيفتها، او أدوارا تهريجية كشيبوب مثلا.

ولولعي بما أحفظ حينها من شعر عنترة، كانت بعض الأبيات تطفر من فمي أثناء بعض الدروس في المدرسة، وأذكر أن الأستاذ جابر شبيب حين سمعني أؤدي بعض أبيات الشعر في المدرسة بين أقراني، اصطحبني معه إلى غرفة المعلمين، وطلب مني أن ألقي بعض الأبيات مما حفظت، فلما ألقيتها أُعجب بعض المدرسين بأدائي لها، فما كان من الأستاذ ناصر الفاضل المدير المساعد بالمدرسة إلا أن يكتب موضوعا عن سيرة أصحاب الفيل، ويطلب مني في اليوم الثاني قراءته في الطابور الصباحي، فكان له ما أراد، وكان هذا الموضوع مفتاح علاقتي بالخطابة في المدرسة، حيث تسلمني بعده الأستاذ عبدالواحد إسماعيل لألقي بعض ما يكتب من موضوعات تربوية في الطابور الصباحي، والفضل كان طبعا لحفيظ الذهب الذي دفعني وحفزني على قراءة وحفظ نصوص تطرب لها الأذن والروح معا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها