النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

المهمات الدبلوماسية الصعبة (4)

رابط مختصر
العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443

عندما يتحدَّث دبلوماسي وسياسي متمرِّس، عمل مسؤولاً عن مكتب سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك منذ عام (1970م حتى 1986م)، ثم سفيرًا للبحرين في العديد من الدول، وبعدها سفيرًا لمجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ووكيلاً لوزارة الخارجية لشؤون مجلس التعاون، فإن ما ينقله ويوثّقه في سطور إنما هي حقائق تُنشر لأول مرَّة، ووقائع وذكريات لها من الشواهد والشهود الكثير، وهي ليست من نسج خياله، بل تعكس علاقاته الواسعة ومعرفته بشؤون وزارة الخارجية وأسرارها والتحركات والتطورات السياسية والاقتصادية التي مرَّت بالبحرين والمنطقة قبيل الاستقلال وبعد الاستقلال، وخبرته العميقة التي مكَّنته علميًا وعمليًا من تكوين رؤيته للتجربة الخليجية الفريدة والمجتمعات والنظم التقليدية القائمة بدول مجلس التعاون التي وقفت صامدة أمام مَــدّ«الفوضى الخلاَّقة» التي أشعلت ناراً لم تنتهِ حتى الآن في الشرق الأوسط، كما أن خبرته الغزيرة ومعايشته لمجريات الأحداث وانعكاساتها في هذه المنطقة الحيوية ذات الأهمية الاستراتيجية في العالم مكَّنته من العطاء غير المحدود وبذل أقصى طاقته لخدمة وطنه وخليجه وأمته. 

وموقع المهمة الدبلوماسية الصعبة اليوم هو (لبنان) هذه الأرض الطيبة التي مزّقتها الحروب والصراعات الأهليّة، والتي عشتها لحظة بلحظة خلال سنوات دراستي آنذاك، وحتى أصبحت دبلوماسيًا بمكتب سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة أطال الله عمره وأبقاه ذخرًا وسندًا، والذي حظيتُ منه بالدعم الدائم والرعاية غير المحدودة في جميع مراحل عملي الدبلوماسي معه وحتى بعد أن تركت العمل بالوزارة. 

وعودة إلى لبنان الذي تحوَّل إلى أشلاء متناثرة انعكس تأثيرها على الأمة التي عانت من الانقسام والتشتّت، فلم تعد بيروت مصدراً للنور واشعاع المستقبل كما كانت، فقد تداخلت وتصارعت مصالح قياداته وتعطَّلت مصالح شعبه ليصل إلى النهاية المتوقعة بسيطرة إيران على القرار السياسي والاقتصادي فيه بالتنسيق مع سوريا وذراعها حزب الله، وتقهقر القوى العربية المحبة والمساندة له بعد أن يئست من جدوى القيادات اللبنانية التي لا يهمها سوى تكديس المليارات في حساباتها بالخارج. 

ورجل المهمة اليوم، هو سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير خارجية البحرين آنذاك ورئيس مجلس الجامعة العربية الذي قبل المجازفة والتحدّي في قيادة فريق الجامعة العربية المكوَّن من معالي وزير خارجية دولة الإمارات العربية راشد بن عبدالله النعيمي والحبيب الشطي وزير خارجية تونس وأنا بين هذه القامات الرفيعة التي قبلت القيام بمهمة وقف نزيف الدم الفلسطيني في مخيم تلّ الزعتر في (أغسطس 1976م) خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين الجبهة اللبنانية والفصائل الفلسطينية المحاصرة بدعم من سوريا التي أرادت إضعاف النفوذ الفلسطيني في لبنان. 

فلقد كان المشهد العربي في اجتماع جامعة الدول العربية مشحونًا بالتوتر في غرفة الاجتماعات الضيقة التي اجتمع فيها وزراء خارجية الدول العربية وأُطلق عليها فيما بعد قاعة (محمود رياض)، وتصاعدت منها أدخنه السيجار الكثيفة التي أغشت رؤية المجتمعين على الطاولة، ومما زاد التوتر هو حضور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وتعمد الوفد الفلسطيني إدخال عدد من البرقيات بين فترة وأخرى خلال انعقاد الاجتماع، مما زاد من التوتر نظرًا لما وصل الوزراء من أخبار عن الوضع الخطير في مخيم تل الزعتر وارتفاع وتيرة القتل والدمار هناك. 

وبعد مناقشاته طويلة ومرهقة استمرت حتى بزوغ الفجر، انتهت المداولات إلى اتخاذ قرار إرسال بعثة من الجامعة العربية برئاسة دولة الرئاسة (البحرين) للتوسّط لوقف هجوم القوات اللبنانية المدعومة من سوريا على مخيم تلّ الزعتر وحقن دماء الشعب الفلسطيني. 

وعدتُ إلى فندق شيراتون الجزيرة برفقة سمو الشيخ محمد، وأراد سموّه أن يأخذ قسطًا من الراحة قبل المغادرة إلى دمشق، وما إن مرَّت فترة وجيزة وإذا بالرئيس ياسر عرفات يطرق باب الجناح طالبًا مقابلة سموّه، ودخل راجيًا منه التعجيل بالسفر إلى دمشق لوقف مجزرة تلّ الزعتر، فأجرى سموّه اتصالاته فورًا مع راشد بن عبدالله النعيمي ووزير خارجية تونس، حتى غادرت بعثة مجلس الجامعة على متن الطائرة الخاصة بوزير الخارجية الإماراتي، وخلال الرحلة استغليت الوقت ونمتُ في المقاعد الخلفية من الطائرة التي استمرت في التحليق ساعات طويلة حول مطار دمشق الدولي نظرا لعدم استجابة السلطات السورية بهبوطها حتى قارب الوقود على النفاد، عندها سمحت السلطات السورية للطائرة بالهبوط، وكان في الاستقبال وزير الخارجية السوري عبدالحليم خدَّام الذي اصطحب الوفد لمقابلة الرئيس حافظ الأسد، وانتهى الاجتماع إلى أن يقوم الوفد بمقابلة الزعماء اللبنانيين في بيروت، وهذا ما حصل فعلاً، إلا أن رحلة الوصول إليهم لم تكن ممهدة بالرياحين، بل كانت عبارة عن مغامرة خطيرة منذ لحظتها الأولى وحتى ساعة المغادرة إلى القاهرة لتقديم التقرير حيث كان مجلس الجامعة في حالة انعقاد انتظارًا لعودة الفريق. 

ففي أولى لحظات هذه المغامرة، قدَّمت لنا الحكومة السورية مروحية عسكرية لنقلنا إلى لبنان، وقبل الوصول بدقائق قام الطيار السوري بالالتفاف الحاد يمينًا وشمالاً بالمروحية والتحليق على مستوى منخفض جدًا، حتى كنتُ أكاد ألمس البحر بيدي، فقام الوزراء بسؤاله عن سبب قيامه بذلك، فأوضح بأنه يحاول تفادي قصفًا مدفعيًا مباشرًا على المروحية التي تقلّنا!! 

وبعد دقائق صعبة هبطت المروحية في منطقة مفتوحة قرب بركة السباحة في نادي لبنان بمنطقة جونيه، وكان في استقبالنا الدكتور حسن صبري الخولي المبعوث الخاص للأمين العام لجامعة الدول العربية في لبنان - وتذكرت أنني عندما كنت صغيرًا بعثت بخطاب للرئيس جمال عبدالناصر اطلب صورته التي وصلتني موقعة منه ومرفق بها خطاب من حسن صبري الخولي مدير مكتبه آنذاك - الذي تشكر للوفد سلامة الوصول مشيرًا إلى قنبلة سقطت للتو في بركة السباحة محل هبوط الطائرة حيث أشار إليها في قاع بركة السباحة. انتقل الوفد لمقابلة الرئيس سليمان فرنجيه، وهنا كانت المغامرة الخطيرة الأخرى، فقد استقلَّ فريق الجامعة العربية (سمو الشيخ محمد ومعالي وزير الخارجية الإماراتي ووزير الخارجية التونسي وأنا) سيارة الرئيس اللبناني سليمان فرنجيه، وكانت من طراز كاديلاك فليتوود بيضاء اللون بالعلم اللبناني واللوحات الرئاسية، وكنتُ في المقعد الأمامي بجانب سائق الرئيس، وكان طريق الصعود إلى منطقة (الكفور) الجبلية العالية حيث مقر الرئيس ضيقًا جدًا وخطيرًا في الوقت ذاته، فقد كان خلفنا موكب للزعيم اللبناني بييّر الجميّل وفي حمايته عدد من الدرَّاجات النارية المسلّحة التي يقودها رجال مسلَّحون بمسدسات على طريقة الكاوبوي، وطلب أحدهم من السائق أن يتنحّى جانبًا ليفتح الطريق لمرور الرئيس الجميّل، ولما لم يستجب السائق لهذا الطلب همّ بإشهار مسدسه مهدّدًا بإطلاق النار عليه، حتى تدخَّل أحد الوزراء وطلَب منه فتح الطريق إلا أنه كان مُصرًا على عدم التجاوب مبرراً ذلك بأنه يقود سيارة الرئيس، إلا أن الوزراء أصرّوا عليه الاستجابة لطلبهم والتنحّي جانبًا حفاظًا على سلامته وسلامة الفريق من وقوع كارثة، فاستجاب السائق حتى مرَّ موكب بييّر الجميّل بسلام وتنفسنا جميعًا الصعداء بعد دقائق حسَّاسة وحاسمة بين الموت والحياة! 

ووصل فريق الجامعة العربية إلى منطقة (الكفور) بسلام، حيث كان في استقبالنا سليمان فرنجيه وزعماء الأحزاب الحاكمة في لبنان، وعُقد اجتماعاً مسجّلاً ومطوَّلاً استمرَّ لأكثر من 8 ساعات، وقد أصرَّ كميل شمعون (مؤسّس حزب الوطنيين الأحرار) على تسجيل جميع وقائع الاجتماع وتوثيق كل ما يتمّ الاتفاق عليه لأنه لا يثق بالجامعة العربية! 

وانتهى ذلك الاجتماع، وعاد الوفد إلى دمشق ومنها إلى القاهرة، وعُقد اجتماع الجامعة العربية، وقدَّم سمو الشيخ محمد -رئيس الفريق- تقريره الذي أوقف العمليات العسكرية في مخيم تلّ الزعتر بتجريد المقاومة من السلاح داخل المخيم وبقية المخيمات الأخرى في لبنان مع احترام السيادة اللبنانية على أراضيها وعلى منطقة المخيمات. 

لقد كانت مهمة غاية في الخطورة، تعرَّضت حياتنا فيها للخطر لثلاث مرات خلال أيام معدودة، ابتداءً من تحليق الطائرة حول مطار دمشق الدولي حتى سُمِحَ لها بالهبوط بعد نفاد الوقود، مرورًا بتعرّض المروحية لخطر القصف المدفعي من الجبال القريبة من موقع الهبوط، حتى تعرّض الموكب لتهديد إطلاق النار من حرس موكب بييّر الجميل. 

إن معاناة (لبنان) من التشرذم مستمرة منذاك الآن وحتى الآن، فلا يوجد في لبنان سلام مجتمعي على أساس متين، فجميع الأطراف المتنازعة تعمل منفردة، وتتوهّم بأنها تعمل لصالح الوطن ووحدة طوائفه، وفي الواقع هذا وهم وزيف؛ فالوحدة الحقيقية يصنعها الشعب اللبناني بنفسه، دون تدخلات خارجية واضحة ومُعلنة برضا وتأييد من بعض تلك الأطراف للأسف. 

وتبقى الحقيقة، وهي أن التعاطف العربي مع لبنان المخطوف من إيران وذراعها حزب الله يرجع بالدرجة الأولى إلى حُب العرب للبنان ولشعبه المتسامح، وما عليه إلا أن يبحث عن أرضية صلبة يقف عليها ليحتمي من التحديات والمخاطر وعواصف الشر والطائفية. 

وبمقال اليوم أتوقف عن توثيق المهمات الدبلوماسية الصعبة المحفوظة في ذاكرتي ودفاتري القديمة إلى حين، وأعود في الأسبوع القادم إلى مقالات التحليل السياسي التي اعتادها القرّاء الأكارم... 

 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها