النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الفاسد المحنك.. والفاسد المخضرم..!!

رابط مختصر
العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443

يذكر عن القائد الفرنسي نابليون بونابرت عندما زار مصر أن طلب زيارة قبر أحد القادة المصريين الذين حاربوه واستماتوا في الدفاع عن بلده ليضع إكليلاً من الزهور على قبره، وكان معه مترجم فترجم ما هو مكتوب على شاهد القبر «هنا يرقد الرجل الصادق والسياسي العظيم»، فقال نابليون هذه أول مرة أرى رجلين يدفنان في قبر واحد..!! وهذا كلام أحسب أنه يعبر عن قناعة هذا القائد الفرنسي بأن السياسة لا مجال للأخلاق فيها..

نستحضر هذه الواقعة الآن وأمامنا قضية سياسي فرنسي وُصف بأنه «الفاسد المحنك» و«الفاسد المخضرم» ، وأحسب أنهما وصفان جديدان في قائمة أدبيات عالم الفساد والمفسدين، ولا أعرف إن كان هذان الوصفان كافيين لكي نفهم ونستوعب بأننا أمام نموذج من الفاسدين المعاصرين الذين يترجمون وعلى أرض الواقع مقولة بأن السياسة لا مجال للأخلاق او الفضيلة او المبادئ فيها.

تهمتان ثقيلتان واجههما الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي والذي حكم فرنسا من 2007 ولغاية 2012، وللتذكير هو ثاني مرة يحال فيها رئيس فرنسي سابق الى المحاكمة في قضية سياسية مالية منذ 1958 بعد جاك شيراك (1995 - 2007 ) والذي حكم عليه بالسجن عامين مع وقف التنفيذ في قضية وظائف وهمية..!!

علينا أن نلاحظ بأن المدعي العام الفرنسي هو وليس غيره الذي وصف ساركوزي بالفاسد المحنك، والفاسد المخضرم، والتهم تبدأ من استغلال النفوذ، وإساءة استخدام السلطة، وتمويل الحملة الانتخابية بطرق غير مشروعة في الانتخابات الرئاسية عام 2012، وتخطيه السقف القانوني للنفقات المسموح بها في الحملات الانتخابية، لائحة الاتهامات المؤلفة من 79 صفحة شددت على أن هناك ما يكفي لمقاضاة ساركوزي، صحيح إن نظرة الفرنسيين، وربما الأوربيين على وجه العموم، 

ترى أن القادة السياسيين ليسوا قادة يحتذى بهم، وليسوا رعاة للفضيلة والقيم والمثل التي يضرب بها للأجيال القادمة، وذهب البعض الى أبعد من ذلك حين رأوا بأن كل السياسيين كذابون يأتيهم الباطل من بين أيديهم ومن خلفهم، والفساد يأتي منهم، ممن يفترض انهم حراس ومؤتمنون على المال العام.

هل بالضرورة إن كل السياسيين هم كذلك حقاً..؟ وهل يمكن أن يعني ذلك شيئًا بالنسبة لأي من دول منطقتنا العربية هذا الذي جرى لساركوزي، وقبله رئيس فرنسا الأسبق جاك شيراك الذي اتهم بقضايا فساد مالي وشراء ذمم أثناء أداء وظيفته كعمدة لباريس على مدى 20 عاماً، وظلت هذه التهم تلاحقه وكان يتفاداها معتمدًا على حصانته كرئيس للدولة وحينما غادر منصبه عام 2007 عاد الى الواجهة كمتهم، وهناك آخرون من رؤساء دول سابقين استقالوا على خلفية قضايا فساد، وآخرون انتهى المطاف بهم في السجن لإدانتهم في وقائع فساد أثناء حكمهم، ومنهم الرئيسة السابقة لكوريا الجنوبية بارك غيون - هاي، والرئيس البرازيلي الأسبق لويس لولا دي سيلفا، والرئيس الفنزويلي كارلوس اندروس، والرئيس الايطالي الأسبق برلسكوني، وتابعنا أخيرًا محاكمة رئيس جنوب أفريقيا السابق جاكوب زوما بتهم فساد.

ذلك يحدث في البلدان التي توفر الآليات التي تحاسب فعلاً، وتفرض احترام القانون على الجميع الكبير والصغير، وتجعل قيم النزاهة ومحاربة الفساد حاضرة ولها اعتبار، ولا يعرف عندها من يشيع المنطق التبريري المؤدي الى الفساد بما يشكل بالنهاية قوة دفع وتغطية، بل توجد كل ما يحد من تصاعد الفساد كمًا ونوعًا، ولا تجعل قضايا وملفات الفساد من سرقات ورشاوى وعمولات او فساد إداري او مالي او سياسي وما بينهما...الخ تمرّر او تسقط بالتقادم، ولا تحوّل المقاومين للفساد الى متهمين، ولا تسمح للفساد أن يسحب من رصيد إمكانيات المجتمع وتجعله منزوع الدافعية للتقدم..!

في بلدان أخرى، بلداننا العربية خصوصًا، لا تجد ما يشعرك بوجود نفس الهمة والإرادة والعزيمة في محاربة الفساد، هذا الهدف ليس من أولوياتها، وبالتالي لا تشعر بوجود الربط بين المسؤولية والمحاسبة رغم وجود ما لا يحصى من أجهزة وآليات يفترض أنها معنية بمحاربة الفساد والتصدي للفاسدين، من أمن ونيابة وقضاء ومجالس نيابية وأجهزة ودواوين رقابية، بل وجدنا ما يعرقل الخطوات الصارمة والمفترضة والمنتظرة واللازمة في فرض قيم المساءلة وإنزال العقاب على من يستحقون العقاب من كبار الفاسدين، ومنهم من يرتدي ثوب الطهارة والشرف، يدعو الى الفضائل ونبذ الرذائل فيما هو فاسد حتى النخاع، ومنهم فاسدون عابرون للأنظمة والحواجز وأصبحوا بقدرة قادر محصنين من السؤال والعقاب، يكفي أن نتابع هذه الأيام ما يثار بشأن فضائح فساد تمثلت في التعدي على أموال مخصصة لمكافحة وباء كورونا في بعض البلدان عبر عقود وفواتير مضخمة لأشخاص سياسيين او لهم علاقات معهم، يحتمون بهم ويتواطئون معهم، إضافة الى الاحتجاجات الشعبية ضد سياسيين فاسدين على غرار ما حدث ولازال يحدث في تونس ولبنان وحتى العراق التي وجدنا فيها قبل سنوات قليلة من يتحدى ويجاهر بفساده، كما وجدنا فيها رئيس وزرائها يكرر بأن الحرب على الفساد لا تقل أهمية عن الحرب على الارهاب، ويكشف عن مشروع قانون جديد للعقوبات يعد الأول منذ خمسين عامًا لردع المفسدين ومكافحة جرائم الفساد المالي والاداري، ومنع الإفلات من العقاب وإلزام المختلسين برد الأموال المنهوبة..!

التساؤلات تفرض نفسها أمام الكثير من قصص الفساد والظلم والتزوير والتعدي على القانون وسوء إدارة موارد الدول، تساؤلات تتكاثر وتتعاظم وتعبر عن أسى عميق أمام حال برلمانيين هنا او هناك انتخبوا على أساس فاسد، او تورطوا، او هادنوا، او تستروا على ملفات فساد او فاسدين، وتعاملوا بخفة واستهتار مع تقارير، او ملفات، او ممارسات كان يجب أن يكون لمن يمثلوا شعوبهم حيالها موقف واضح وحازم، ولكنهم أبوا ألا ان بجعلوا العمل البرلمانى سائباً، او ضائعاً، او تائهاً لايستطيع ان يلملم أطرافه، وغير قادر على جعل العمل البرلماني المعتبر احتمالاً قائمًا بعيدًا عن التصريحات و»العنتريات» الجوفاء، ومن يستطيع أن يذهب بعيدًا في التفسير والتحليل قد يكون قادرًا على الوقوف على ما اذا هذا الحال للعديد من البرلمانات خطة ام مصادفة..!

المتفق عليه أن الفساد هو الملف الأخطر الذي يقف وراء الانحدار، ويخلف الانحطاط، ويسبب البؤس والفقر والتخلف والضياع، ويهدد مشاريع وبرامج التنمية، ويعرقل أي مساعٍ جادة للإصلاح والتطوير والتغيير، وهو أحد أطراف الثالوث الذي يقوّض الدول والحضارات: الظلم والاستبداد والفساد، والفساد السياسي في المقدمة، الذي هو في أبسط تعريف يعني كل ما يؤثر على اتخاذ القرار المتعلق بالشأن العام والسلطة العامة لأهداف غير مشروعة ولمصالح شخصية.

يا ترى كم فاسدٍ محنك، وكم فاسد مخضرم، وكم فاسد ألفناه يكرر الحديث عن قيّم العدل والنزاهة وحقوق الانسان، وكم فاسد عرف بشعاراته عن الوطن والوطنية، وكم فاسد يردد مآثر تراثية ودينية وآيات قرانية يرددها في المناسبات أينما حل فيما هو ممن تنطبق عليه الآية الكريمة «واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، قالوا إنما نحن مصلحون».

نماذج الفاسدين كثيرة، صغيرة ومتوسطة وعليا، يمارسون كل حركيات الفساد الحي في الحياة اليومية للشعوب العربية بكفاءة واحترافية واقتدار، لا يهمهم أن أطبقت الويلات والمعاناة بأثقالها على الصدور والنفوس، والسؤال كم من أولئك الفاسدين بيننا يا ترى، وكم من كبارهم حوسب..؟! وكم.. وكم..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها