النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بين الدفاع عن المواطن والإساءة للوطن

رابط مختصر
العدد 11888 الإثنين 25 اكتوبر 2021 الموافق 19 ربيع الأول 1443

 بعد دقيقتين ونصف أنصت فيها أحد معارفي الطيبيين لمحتوى رسالة صوتية وصلته على «الواتساب» أثار بتركيزه في سماعها خشيتي لظن مني أن أمرًا جللاً قد وقع، طلب مني أن أستمع إلى الرسالة الصوتية التي صرفته عنا وجعلت ملامح التفكير العميق تلوح على محياه، وعلى الفور وبعد أن اطمأن إلى أني أنهيت الاستماع لمحتوى هذه الرسالة، سألتي قائلاً: «يا أخي ليش الجرائد أو الكتاب فيها والمحررين لا يتناولون القضايا المعيشية التي تتصل بهموم المواطنين بشكل مباشر كما يتم تناول الكثير من هذه الهموم على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتم تداولها على نطاق واسع؟» 

 صحيح أن الرسالة التي سمعتها تتحدث عن «المواطن»، ولكن لأني لست ممن يصدقون فورًا كل ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وأهيب بالآخرين أن يحذوا حذوي، شرعت مباشرة في محاورة صاحبي منطلقا من صدق القضية المطروحة في رسالة «الواتساب»، ومن مقاصد من كتب هذا المحتوى وبهذه اللغة التي تتضمن أكثر من هدف مريب؛ ذلك أن قضايا حقيقية كثيرة تتلمس علاجا لمشاكل معيشية موجودة في الواقع تضيع مع كم الكذب والإفك والافتراء الذي تستثمر به منذ سنوات جماعات سياسية بعينها مثل هذه القضايا لتترعها بأكاذيب وألوان من التلفيق وتزييف الوقائع لا تخفى عن العاقل الدوافع السياسية التي توجهها توجيها يجعلها منطلقًا لحملات ممنهجة في التشكيك وزرع اليأس والإحباط في أنفس من يستعذبون هذه الرسائل. 

 قلت لصاحبي: «في سؤالك يا صديقي كثير من التجني المبني على تعميمات مغلوطة، فهناك على خلاف ما تظن يا صديقي قضايا معيشية كثيرة يتناولها كتاب الأعمدة ولعلي لا أبالغ إن قلت إن أقلامهم عالجت كل القضايا التي تمس معيشة المواطن البحريني، هذا فضلاً عما تنجزه أقسام التحرير بالجرائد، وبحرية تامة، من تحقيقات ميدانية واستجوابات موثقة لمواطنين تُطلب آراؤهم وتُستطلع أحوالهم في مناحي حياتهم اليومية، وهذا كله يا صديقي يتم في ضوء الاحترام التام لقوانين البلاد ومواثيق شرف العمل الصحفي، ولا أظن هذا الأمر موجود في ما ينشره الناس عبر وسائط التواصل الاجتماعي التي وإن جسدت نوعًا جديدًا من الإعلام إلا أنها إعلام منفلت من كل القوانين يغلب فيه الغث السمين ويروجه لغايات في النفس انفضحت ذات دوار طلب به صناع الأكاذيب قلب نظام الحكم والفتك بالنسيج الاجتماعي البحريني.

 لقد حرصت على استحضار هذا الجزء من حواري مع صاحب السؤال السالف، وأشك حقيقة إن كان لكلامي مفاعيل إيجابية في نفسه. ومن السؤال يمكنك قارئي العزيز معرفة موضوع الحوار. فالحوار كان حول غلاء المعيشة وارتفاع أسعار بعض السلع، علما بأن هذه الظاهرة ليست خاصة بالبحرين، إذ تشهد جميع الدول في العالم بعد تقشّع شيء من سحب إعصار الكورونا ارتفاعًا جنونيًا في الأسعار لعلّ أبسط أسبابه تعطل آلة الإنتاج وتحولنا من عالم الوفرة إلى عالم الندرة، هذا فضلاً عن ارتفاع كلفة النقل والتأمين بشكل غير مسبوق. لقد كان طرح هذا الموضوع في المحاورة العفوية التي نقلت بعضًا منها سببًا رئيسًا في تحفيزي إلى تناول موضوع الحوار في مقالة لعلها تسهم، من جهة، في رفع الوعي لدى المواطنين والتفكير مليًا في كل ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ ليس كل ما يلمع ذهبا، وتسعى، من جهة ثانية، إلى إيصال صوت المواطن محدود الدخل إلى المسؤولين في الحكومة أولا ومن ثم إلى ممثلي المواطنين تحت قبة البرلمان، باعتبار أن هؤلاء الممثلين يفترض فيهم العلم اليقين بمستوى ضغط أسعار السلع على المواطنين ومدى تحملهم لهذا الضغط، أما التساؤل عن عدم مساهمتهم في تخفيف هذا الضغط ففي هذا موضوع آخر قلنا من قبل ونكرر أن الناخب وحده هو المسؤول عنه؛ لأنه هو من اختار نوابه الذين سيتحدثون باسمه تحت قبة البرلمان، والذين سيبحثون بمقترحاتهم التشريعية ومهماتهم الرقابية سبل تحقيق الرفاه للمواطنين جميعهم.

 مما لا شك فيه عندي أن الحكومة تتابع عن كثب معاناة محدودي الدخل، وأنها تبحث دائما عن حلول جذرية لمختلف القضايا المعيشية التي يلتمس المواطنون لها حلولا ناجعة، مثل: أسعار السلع، وفواتير الكهرباء التي أثارت لغطًا في الشارع البحريني، وإن الحكومة تُصغي بانتباه إلى شكاوى المواطنين وأنها تعمل ليل نهار على إيجاد حلول سريعة لكل المشاكل مثل البطالة والسكن، ولا شك عندي كذلك أن المواطن يبحث عن سبل تخفف عنه الأعباء الاقتصادية للمعيشة بتعديل سلوكه الاستهلاكي وأنه ينتظر دائمًا إجراءات حكومية ترفع معها الرواتب وتفرض فيها الرقابة على أسعار السلع، وتتم معها إعادة زيادة المتقاعدين انتظارًا يُعبر عنه باستخدام المتاح من الوسائل الإعلامية لإيصال صوته إلى أصحاب القرار الاقتصادي والسياسي، وليس في ذلك أي مشكلة... فأين تكمن المشكلة إذًا؟

 المشكلة تكمن في أن هناك صنفًا من البشر يتصيد في الماء العكر ويلبس لبوس الدفاع عن مصالح المواطنين ولكنهم بالنهاية يقصدون من وراء ذلك الإضرار بالوطن والفتك بوحدة مكوناته الاجتماعية الذي استعاد عافيته ورمم نسيجه، وهذا الصنف من الناس أصبح مكشوفًا ولا يمكن له أن ينجح بعد الخرابات التي أحدثها في الاقتصاد وفي المجتمع في السنوات الماضية. وهناك مواطنون حريصون كل الحرص على المحافظة على السلم الأهلي فتراهم لا يتوانون في الدفاع عن مكتسبات المواطنين الاقتصادية ومصالح الوطن العليا والتي لا يمكن الفصل بينها. وهناك مجموعة من الناس تلهو على وسائل التواصل الاجتماعي، تلتقي في طروحاتها مع الصنف الأول، شاءت ذلك أم أبت، ولا يمكن أخذ طروحاتها على محمل الجد وإن كان كل ما تطرحه يطعن في أداء الحكومة باسم الدفاع عن مصالح المواطنين. فهولاء يأخذون من التعليقات الخارجة عن سياقاتها الأدبية والأخلاقية سبيلاً للتقليل من نجاحات الدولة وإنجازاتها الكثيرة.

 صوت المواطن محترم والإنصات له واجب لم تقصر في الالتزام به الحكومة يومًا، ولم تفرط فيه بل جعلته محور سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وخططها العاجلة والآجلة، ولكن حرف صوت المواطن عن المطلبية المعيشية إلى مقاصد سياسية خبيثة تنال من شرعية أداء الحكومة وتزرع شك المواطن في ساسته أمر مرفوض؛ لأن الإساءة للوطن مهما كانت وسائطها جريمة لا تُغتفر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها