النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

تعافيك يا عراق طويل طريقه!!

رابط مختصر
العدد 11885 الجمعة 22 اكتوبر 2021 الموافق 16 ربيع الأول 1443

 انتخابات العراق، والتي من عجب العجاب أنها أثارت احتجاجات الفصائل المسلحة التابعة لإيران رغم إفساح التشرينيين المقاطعين لها المجال للتوحد بالمشاركين فيها وممارسة الضغوط لتوجيه صوت الناخب طائفيًا، كشفت زيف إيمان الأحزاب الراديكالية الشيعية بالديمقراطية منهجًا لإدارة البلاد بعد سقوط نظام البعث؛ إذ الديمقراطية عندهم أن أحكم رغم أنف الجميع، وأن أنجح في الانتخابات بالترهيب والترغيب والتدليس، وأن أعبث كيفما أشاء، وأن أُصفي خصومي بشتى الطرق بما فيها الاغتيالات. وها هي هذه الانتخابات تُظهر الرصيد المتدني شعبيا للميليشيات المرتبطة بإيران رغم ضعف الإقبال على التصويت. فنسبة 43% المختلف على صدقيتها من المشاركة في الانتخابات أحجم جزء كبير منها عن التصويت للميليشيات؛ ليكون ذلك صفعة انتخابية لهذه المليشيات، هذا فضلًا عن الـ 67% التي رفضت الذهاب إلى صناديق الاقتراع مساندة لصوت التشرينيين الرافض للانتخابات التي أحاطت بها ظروف اعتبروها غير مناسبة وخاصة منها استمرار الميليشيات في الاحتفاظ بالسلاح إلى جانب الدولة، والمال السياسي والفساد والمحاصصة الطائفية. نسبة الـ 67% المقاطعة للانتخابات بحسب إحصاء مفوضية الانتخابات العراقية كبيرة وكان لها أن تحدث التغيير الكبير في خريطة توزيع الأصوات، وما كانت ستحصل الأحزاب والكتل السياسية الفائزة بهذه الأصوات لولا هذه المقاطعة. وفي ظني أن هذه الأحزاب والكتل كان عليها أن تسجد لله سجدتي شكر لعدم مشاركة التشرينيين؛ لأن في ذلك ما أنقذهم وجعلهم ينتقلون من قدر هزيمة حتمية إلى انتصار في طعم الهزيمة لو كانوا يعقلون.

 تشهد نهايات «الأعراس» الديمقراطية في بعض مجتمعات الدول النامية وخصوصا العربية منها والتي تسود فيها الطائفية المذهبية دائما انبثاق صورة معيارية تكرس تقليدا انتخابيا عماده اختيار المرشحين على أساس الهوية الطائفية بدلا من الكفاءة التي نترك أمر اعتمادها في بناء مشهدية سياسية جديدة إلى أقدار السماء، وبدلًا من صناعة هذا القدر عبر المشاركة المكثفة في العملية الانتخابية لاستبعاد الطائفيين ودعاة التخلف وأنصار الماضوية الفكرية والحضارية يُحجم الباكون على الأوطان عن المشاركة أو يُفرض عليهم بقوة سلاح الميليشيات وبمشاهد العنف والدماء المراقة على الأرصفة ألا يشاركوا؛ لأن أرباب نِعَمِ الميليشيات يعرفون جيدا أن لا أحد من خارج عصاباتهم سيختارهم. أكتب هذه الجزئية من المقال وعيني شاخصة على انتخابات البحرين القريبة القادمة وموقف القوى الراديكالية منها!

 وبالعودة إلى «الديمقراطية العراقية» وأعراسها لنا أن نسجل أن أكثر مظاهرها وضوحا ما شهده المجتمع العراقي في «أعراس» انتخابات أربعة أو خمسة سابقة نرجو ألا تتكرر في هذه الانتخابات التي تنبئ نتائجها برفض غير مبرر لنتائجها من التيارات الحشدية المتطرفة بقيادة تحالف الفتح الذي يتزعمه هادي العامري إيراني الهوى والانتماء. وعلى أي حال فإن الميليشيات الذيلية الذليلة التابعة لإيران والتي خسرت في العاشر من الشهر الجاري الانتخابات النيابية المبكرة في العراق قد وفرت علينا مهمة التكهن وها هي تعلن للعالم رفضها لنتائج هذه الانتخابات؛ لأن هذه النتائج لا تتوافق وكم الكذب الذي مورس على مدى سنوات بشأن شعبية هذه الميليشيات في الشارع العراقي.

 لقد تلونت أكاذيب التسويق لشعبية الميليشيات وحشدها بأصباغ متعددة؛ فمرة تلون بسردية المظلومية المذهبية، ومرة أخرى بأكذوبة الأغلبية المزعومة، ومرة أخرى بلون «المقاومة» التي لم نر لها من فضل إلا مقاومة دعاة استقلالية القرار العراقي وأنصار بناء دولة عراقية مدنية تتعالى على المذاهب والأعراق والهويات القاتلة، وكل هذه الأصباغ كانت تتم بدعم سخي ومفضوح من نظام الملالي في إيران، ولعل في هذا وحده دليلا على كذبها.

 إن في عدم قبول هذه الميليشيات بالنتائج ما يفتح مستقبل العراق على احتمالات كثيرة، ولا أظن، حتى الآن، أن من بينها الحرب الأهلية، إذا ما وقف الجيش العراقي مدافعا عن الدولة واستقلالية القرار فيها، ولم يتعرض للانشقاق بفعل تأثير الطائفية في المسار السياسي منذ أكثر من 17 عامًا عندما اقتضت المصالح الأمريكية الانحياز لأنانيتها والعمل على تغيير النظام من منظور طائفي بحت، فاشتغلت على مفهوم الأغلبية النوعية وتسليم السلطة إلى المكون الشيعي على حساب مختلف المكونات التي يعج بها المجتمع العراقي، وهو ما لا ينسجم مع طبيعة التنوع الموجودة في المجتمع العراقي والتي تتطلب بالضرورة تصورا لنظام حكم يتعالى على الهويات الطائفية والعرقية. أما إذا انقسم الجيش واستبدت به القوى الطائفية، فإن خيار الحرب الأهلية عندها سيصبح وارد جدا وهذا ما لا نرجوه للعراق وشعبها الذي ذاق الأمرين طيلة العقود الأخيرة، وخاصة عندما جاءته ديمقراطية فاسدة على دبابات أمريكية كانت تتحرك مشفوعة بدعوات ملالي إيران وآمالهم في ألّا تقوم للعراق قائمة من جديد.

 نعم، لا مراء في أن الديمقراطية، مثل أي بلد آخر، هي الحل في العراق رغم المخاوف الذي تتناهبه من السقوط في مستنقع عدم الاستقرار والعروج ناحية الاحتراب الأهلي، إلا أن سلوك الأحزاب السياسية الميليشياوية الشيعية، وتحديدا التابعة لإيران ووجود سلاح خارج إطار الدولة الوطنية وبقاء تيارات التطرف على اختلاف مسمياتها وارتهاناتها، رافضة لنتائج هذه الانتخابات يشير إلى أن مستقبل هذه الديمقراطية غامض وطريق تعافي هذا البلد، العريق بتاريخه وحضاراته، من أمراضه الاجتماعية وانحيازات أحزابه الطائفية طويل طويل. 

 العراق تحت هيمنة الأحزاب الطائفية وعملية إقصاء الكفاءات الوطنية المبرمجة تحت أي عنوان سيبقى رهين الفقر والعوز والتخلف والظلام، وهذه بديهيات القراءة الواقعية للواقع العراقي من بعد اسقاط نظام صدام حسين. وإن كل ما يجري الحديث عنه حول الديمقراطية والانتخابات، على أهميتها ومفصليتها في عملية التقدم وفتح باب الأمل للعراقيين للعيش بسلام، هو حقيقة ولكن في وطن يحتاج اليوم أكثر من الديمقراطية والانتخابات إلى ضمان أولويات حيوية يأتي على رأسها الوعي بوحدة الشعب العراقي وبعروبته والإيمان بضرورة اجتثاث التخلف الذي تكرسه الأحزاب الطائفية بإيعاز من إيران، قبل التفكير بـ«اجتثاث البعث».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها