النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

المهمّات الدبلوماسية الصعبة (3)

رابط مختصر
العدد 11882 الثلاثاء 19 اكتوبر 2021 الموافق 13 ربيع الأول 1443

لم يكن أمر توثيق المهمات الدبلوماسية الصعبة التي عايشتها في سلسلة مقالات أمراً بسيطاً، ولم تكن هذه المقالات مجرد سرد تاريخي للأحداث، بل كانت مهمة شاقّة تطلَّبت مني التفكير العميق لإعادة صياغتها ولملمتها من أوراقي المتناثرة وتجميعها لنشرها بأسلوب متوازن لا يؤثر على علاقاتي الثمينة التي بنيتها طوال أربعة عقود في عملي الدبلوماسي والسياسي والتي لا أُقدّرها بثمن مهما مرَّ بها من تقلبات وخلافات. 

وقد سرَّتني كثيراً ردود أفعال القرّاء الكرام التي تلقيتها من مختلف قنوات التواصل، والتي أشادت بمضامين مقالاتي الأخيرة، وما كشفته من أحداث وجهود كبيرة كانت تقوم بها الدبلوماسية البحرينية في صمتٍ وهدوء دون استعراض إعلامي، وأشعرتني تلك الآراء بالسعادة الغامرة والفخر بما أنجزته لوطني الغالي خلال سنوات عملي الطويلة، وشجّعتني لتوثيق المزيد والمزيد من المهمات الصعبة والكشف عنها. 

وفي مقال اليوم سأتحدث عن المهمة الصعبة في (اليمن السعيد)، الذي لم يكن سعيداً حقّاً، ولم يعش هدوءاً حقيقياً كما يظهر في جباله الساحرة وطبيعته الخلَّابة، بل كان يعاني من أزمات معقّدة وغريبة ونادرة، ويطغى عليه القلق والخوف من المستقبل، خصوصاً بعد التدخل المصري في شؤونه في ستينيات القرن الماضي والذي كان أحد أهم أسباب هزيمة العرب في حرب (6 حزيران 1967م)، وما تبعها من هزائم وتوالي التدخلات الخارجية في شؤون ومصير الأمة العربية! 

فلقد كانت الأجواء في اليمن مشحونة بالقلق والتوتر منذ ذلك التاريخ، ومزدحمة بالشكوك والمفاجآت رغم ما يتظاهر به زعماء القبائل اليمنية والحكومات المتوالية منذ عهد الرئيس عبدالله يحيى السلال الذي تولَّى الحكم من (1962م – 1967م)، إلى الرئيس علي عبدالله صالح، والرئيس عبد ربه منصور هادي، وزعيم الانقلاب عبدالملك الحوثي الذي يسير في فلك (إيران) التي استخدمت اليمن كبوابة لغزو الأماكن المقدسة؛ فأصبح واقع الحال في منطقة الخليج العربي مضطرباً ومتوتراً، والمنطقة في حالة انتظار لثوران البركان المدمِّر الذي حدث بالفعل عندما احتلّ الحوثيون – الذين يشكلون (8%) فقط من سكان اليمن العرب الأصيلين- العاصمة صنعاء في (سبتمبر 2014م) وسيطروا على مؤسسات أمنيّة ومعسكرات ووزارات حكومية ومنشآت هامة في وسط العاصمة دون مقاومة من الأمن والجيش، وبدأت طلائع قواتهم تقترب من الحدود الجنوبية للسعودية وباشرت في إطلاق الطائرات المسيَّرة على منابع النفط! 

وحول مهمتي الخطيرة في اليمن في صيف (2010م)، فلقد كلَّفني معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الخارجية آنذاك برئاسة وفد مملكة البحرين في اجتماع المؤتمر الإسلامي على مستوى وزراء الخارجية، وكان في استقبالي لحظة وصولي إلى مطار صنعاء الدولي عدد من كبار المسؤولين في وزارة الخارجية والمراسم، وفي انتظاري سيارة (مرسيدس S350) تمّ تخصيصها ليّ، وأمامي وخلفي قوات أمنيّة مدجَّجة بالسلاح رافقتني إلى مكان إقامتي في فندق الشيراتون الذي تمَّ اختياره بعناية لاعتبارات أمنيّة المهمة. 

عُقد الاجتماع الذي لم يكن على جدول أعماله ولا في بيانه الختامي أيّ جديد، بل قضايا متكررة كدعم الدولة الفلسطينية المستقلة، ومبادرة مجلس التعاون لحل الأزمة السياسية بين القبائل المتنازعة في اليمن، ودعم بعض الترشيحات للمناصب في الأمم المتحدة، وكالعادة كان لا بدّ من شكر الدولة المستضيفة للاجتماع وتقدير جهودها على نجاحه وتأمين سلامة أعضاء الوفود المُشارِكة؛ إذ كان اليمن آنذاك يعمّ بحوادث اختطاف السياح الأجانب نظير فدية أو تحسين خدمات البنية التحتية في القليل منها، ورغم الإجراءات الأمنيّة المشدّدة، وقوات الحراسة الملازمة لي طوال فترة تواجدي في اليمن، إلا أن ذلك لم يمنع من تعرّضي لحادثين وأنا في طريق المطار. 

فبعد أن تحرَّكت سيارتي من المطار مع مركبات القوات الأمنيّة، وقبل الوصول إلى الفندق بمسافة قصيرة، وبينما كنتُ أراجع بعض الأوراق الخاصة بالمؤتمر مع عضو الوفد السكرتير الأول الآنسة زمزم سلطان فرج، فإذا بالقوات الأمنيّة المرافقة لي وقد اختفت فجأة، وتوقَّف السائق عن قيادة السيارة، وبيَّن ليّ أن هناك مجموعة مسلَّحة حاولت اعتراض الموكب وتمَّ ملاحقتها والقبض عليها واقتياد أفرادها إلى مركز الشرطة ونحن بانتظار عودة القوات الأمنيّة لاستكمال طريق الذهاب إلى الفندق، إلا أنني طلبتُ منه التحرّك السريع نحو الفندق بعد أن شعرت أن الوضع الأمني في موقع الانتظار غير مطمئن إطلاقاً، خاصة بعد التجمهر الذي أحاط بالسيارة؛ فكانت تلك الدقائق صعبة وثقيلة ومخيفة جداً. 

وفي طريق عودتي إلى البحرين حدثٌ آخر، فقد عدتُ منفرداً، وبقيت الزميلة زمزم لمتابعة بقية الاجتماع، وفي طريقي إلى المطار مع الموكب الأمني المعتاد، فإذا بالسائق يخرج عن الطريق السريع إلى الطريق الترابي دون التزام بمسير القوات الأمنيّة المُرافقة، ويدخل في وسط الصحراء التي أحاطت أتربتها جميع جوانب السيارة، فلم يكن منّي سوى الصمت واسترجاع شريط حوادث الخطف المتكرّرة في اليمن، واعتبرتُ نفسي في عدادهم لطلب الفدية أو ربما الانتقام من حكومتي لموقفٍ سياسي ما حتى ولم يكن في تاريخ البحرين ما يسئ إلى اليمن ولا إلى شعبه الشقيق الذي يعيش بيننا منذ عشرات السنين، وسلَّمتُ أمري إلى الله، وبعد حوالي عشرين دقيقة من القلق والتوتر لمحتُ الشارع العام، وهنا تحدَّثت إلى السائق الذي قال بأنه اتَّخذ طريقاً مختصراً بعيداً عن الازدحام المروري، فشكرتهُ وبيَّنتُ له بأن هناك وقتا طويلا حتى موعد إقلاع الطائرة ولا ضرورة لاختصار الطريق، ووصلتُ المطار وكانت القوات الأمنيّة في انتظاري، ولاحظتُ حديثا ومشادات حامية بينها وبين السائق، إلا أنني لم أعر الأمر أهمية، ودخلتُ إلى قاعة كبار الزوار بتوجّس وقلق وأنا أنتظر لحظة الدخول إلى الطائرة.. وهكذا انتهت رحلة اليمن بسلام بفضلٍ من الله رغم الوضع الأمني الخطير. 

وإلى مهمات دبلوماسية أخرى في مقالاتي القادمة بإذن الله 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها