النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11879 السبت 16 اكتوبر 2021 الموافق 10 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:25PM

كتاب الايام

صانع الأزمات

رابط مختصر
العدد 11878 الجمعة 15 اكتوبر 2021 الموافق 9 ربيع الأول 1443

 

 

 المعادلة ببساطة هي: أي شعب من الشعوب، وتحديدًا في البلدان النامية ينشد بناءً اقتصاديا واجتماعيا متينا؛ ليكون قادرًا على تجاوز الفوضى والانفلات الأمني، فإن الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي هو أول متطلباته الضرورية. وبغير فهم صحيح لهذه المعادلة لن تنعم هذه الشعوب بما تتوافر عليه بلدانها من الإمكانات والمقدرات. وتأكيدي على الدول النامية هنا مقصود فهي عادة ما تكون البيئة الحاضنة للصراع على السلطة وللانقلابات العسكرية التي يحلو للقائمين بها تسميتها «ثورات». وبهذا المعنى فإن كل ثورة تأتي لتلعن التي قبلها. ولن يقنعني أحد هنا بأن هذه «الثورات» التي لا تنتهي مؤشر على الحيوية أو علامة دالة على ثراء حضاري متراكم وليست صراعًا على السلطة يقود إلى ديمومة التناحر واستمرار الاستبداد. 

 الشواهد في هذا الجانب عديدة، ولنأخذ بلدان «الربيع العربي» مثالا يعطينا الصورة كاملة للتدليل على ذلك. فكل شعوب هذه البلدان، وأقصد بلدان «الربيع العربي»، ترزح اليوم تحت نير الاستبداد والفساد وانعدام الأمن ويتعرض كثير من مواطنيها إلى التهجير والتغييب وبئس المصير. سوريا والعراق واليمن وليبيا وتونس أكثر هذه البلدان التي تعطي الصورة الصحيحة لواقع الحال البائس هذا. ولعلي أستثني هنا تونس؛ لأنها أكثر هذه البلدان تأهلا للانتقال إلى مرحلة متقدمة من الاستقرار والنمو الاقتصادي والاجتماعي والبناء الديمقراطي لوجود مجتمع مدني متحرر، وبنية ثقافية قادرة على مواجهة تحديات موجة الإسلام السياسي الذي يتزعمه الغنوشي، وإن كانت أقل هذه الدول من حيث مواردها الاقتصادية. 

 في تونس الإسلام السياسي يحتضر وهناك من ينفخ فيه الروح، فهناك أموال تتدفق على مراكز الضغط في الولايات المتحدة الأمريكية وعلى أقلام صحافة مأجورة في صحافة أمريكية وأوروبية للطعن في التحولات الإيجابية في أي بلد من البلدان العربية إلى جانب أدوار سيئة لعرب مثل توكل كرمان الإخوانية اليمنية التي تعد وصمة عار في تاريخ جائزة نوبل للسلام والتي لم تترك عبارة نابية إلا ووصمت بها الرئيس التونسي قيس سعيد؛ بسبب قطعه سبيل التمكين أمان إخوانها من إخوانجية تونس، وغيرها كثيرون، ثم يأتي أسوأ الفاعلين في هذه الحملة الشعواء على تونس، محمد المنصف المرزوقي الذي لا يغفر له الشعب البحريني ما قاله في بلدهم أيام مهزلة أحداث الدوار الطائفية. منصف المرزوقي هذا محترف للنفاق السياسي ومختص في صناعة الأزمات ومواقفه من البحرين ومصر وبلده تونس خير شاهد على ذلك، فالرجل لم يترك فرصة لإرضاء أرباب نعمته إلا واقتنصها وإن كان ذلك على حساب بلده أو على حساب ما كان يتظاهر به من مبادئ حقوقية، وليست طلعته الباريسية الأخيرة إلا حلقة جديدة من مسلسل خيانات هذا الرجل وتهاويه في حضيض الخسة والعمالة.

 وحتى تتضح الصورة أذكر ببعض ما تعيشه تونس منذ أعلن الرئيس قيس سعيّد قراره بتجميد عمل برلمان الإخوان وبتر يد فسادها في الحكم، فالرئيس التونسي يخوض صراعًا مريرًا ضد قوى التخلف والردة الحضارية ممثلة في حزب النهضة الإخواني الجاثم على مفاصل الدولة التونسية منذ 2011 والذي كان يعمل على أخونة ناعمة للمجتمع التونسي. لقد اتخذ الرئيس التونسي لأجل إنقاذ تونس قرارات مصيرية عملت وتعمل على تحجيم الوجود الإخواني في تونس وجعلهم مواطنين يخضعون للقانون، وتفتح الطريق لمواصلة ما بدأه الحبيب بورقيبة في بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على أسس ديمقراطية لا تخضع لهيمنة الإسلام السياسي كما كان الوضع من بعد إقصاء زين العابدين بن علي في عام 2011 وإعادة الهيمنة والاستئثار بالمال والسلطة والقرار.

 وعلى وقع الخطوات الثابتة التي قادت رئيسة وزراء تونس المعينة حديثا، في لفتة رمزية مهمة لإبراز دول المرأة في المجتمع التونسي، إلى تشكيل حكومتها المنوط بها ملفات معقدة أهمها معالجة التعثر الاقتصادي وإيجاد مخرج واقعي لأزمة الديون وتقليص نسب البطالة، وزرع شحنة من التفاؤل غابت عن التونسيين أيام حكم الإخوان، يظهر في المشهد من باريس المنصف المرزوقي، صانع الأزمات، محاولا أن يضفي الشرعية على حراك النهضة تحت غطاء حقوق الإنسان التي يستظهر بها عند الملمات التي تعصف بخطه الفكري، متوسلاً الحكومة الفرنسية للتدخل في الشأن التونسي وحثها على وقف دعمها لتونس وإلغاء عقد القمة الـخمسين للمنظمة الفرنكفونية المزمع عقدها في تونس الشهر المقبل. وبدلاً من أن يكون المنصف المرزوقي عونا للحكومة باعتباره رئيسًا سابقًا ومطلعًا على كل الملفات المتعثرة بعد سقوط نظام بن علي، تراه يأخذ موقفًا منحازًا للنهضة رغم وضوح الفساد الذي حل بتونس منذ وصول النهضة للحكم! 

 أختم بهذين السؤالين: هل يستطيع صانع الأزمات المنصف المرزوقي أن يعرقل مسيرة الإصلاح الضرورية التي من أجلها لفظ التونسيون نظام بن علي وبعده نظام حكم الإخوان؟ وهل ينجح في تعطيل جهود المؤسسات التونسية في تثبيت الاستقرار السياسي والنهوض بالمجتمع من جديد ليواصل أدواره الحضارية التقدمية من خلال مؤسسات الدولة الدستورية؟ تونس تعيش منذ مدة تغييرًا حقيقيًا، لأنها تصحح نفسها وخصوصا فيما يتعلق بحضور الإخوان فيها، ولذلك فقد فَقَدَ المرزوقي ثقة التونسيين فيه علمانيا ومدافعا حقيقيا عن حقوق الإنسان، ودليل ذلك حصوله على ( 3%) في الانتخابات التي قادت قيس سعيد إلى سدة الرئاسة في تونس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها