النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11887 الأحد 24 اكتوبر 2021 الموافق 18 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

بناء الإنسان شرط لبناء العالم

رابط مختصر
العدد 11877 الخميس 14 اكتوبر 2021 الموافق 8 ربيع الأول 1443

من روائع القصص التي توحي بمعان رائعة وعميقة قد تكون تلك التي تخرج من ثنايا علاقات بسيطة وحيثيات أبسط وبهدف لا علاقة له بما تشع به تلك القصص من إيحاءات عظيمة، قد تشع من القصة أو الرواية إيحاءات ومعان لم تكن في وارد ذهن الكاتب، ولكن الذي قدمه الكاتب تستشف منه أذهان الغير من القراء معنى من المعاني وحتى الحكم تتخطى حدود النص والحبك. الحياة كنز متجدد من هذه القصص، والقصة بكل أحجامها وأنواعها وألوانها، ومن بسيطة إلى معقدة، ومن متناغمة ومتناقضة، هي درس من دروس الحياة التي تتخطى حدود الأشخاص والعلاقات والأحداث إلى استخلاص معان وعبر من بواطن القصة، فالقصة مدرسة لا يستوعبها ويستخرج معانيها ‘لا من قرأها بالبصيرة الملهمة بأنوار الإيحاء، ففي القصة وحي غير مقروء، والبصيرة هي السبيل إلى قراءة هذا الوحي.

رواية الشيخ والبحر للروائي الأمريكي هي قصة واحدة، بسيطة في بنيتها وأحداثها وحتى ذروتها أبسط من بدايتها، تتمحور حول شخصية واحدة بسيطة ومكان واحد وحدث واحد، يجوب الشيخ البحر على ظهر قارب صغير بسيط لهدف بسيط وهو اصطياد عدد من السمك، وبينما ينتظر رزقه من عمق البحر، والوقت ملك يمينه والهدوء والسكينة تترفق بقلبه وروحه، ينشط الذهن وتتصاعد منه نبضات من أفكار وتخيلات هي أقرب إلى عمق الفلسفة والحكمة من مجرد صور عابرة، هذه الرواية البسيطة تحفز ذهن القارئ، ذي البصيرة، أن يستخلص منها معاني عديدة وأفكارًا جديدة وبعضها جريئة… وفي المقابل، وعلى بعد قرنين من الزمن إلى الوراء، عندما نلتفت إلى رواية البؤساء للشاعر الفرنسي فيكتور هوغو، فإننا نجد أنفسنا أمام ملحمة إنسانية عظيمة تلم مآسي البشرية كلها وتتدفق منها الأفكار والتصورات، وهي جمع من قصص متناقضة وأحداث تتزاحم بعضها على بعض وشخصيات تتضمن كامل الهرم الاجتماعي ومواقع عديدة متباعدة، حبكتها عبقرية الشاعر، ذو النزعة الإنسانية التي تعيش مآسي البشر، بشاعرية منقطعة النظير في عمل أدبي عظيم… إبداع أدبي بسيط ورائع بموازاة إبداع أدبي ملحمي رائع، وفارق ثقل الكلمات بينهما كالفرق بين غصن شجرة وشجرة كاملة… «الشيخ والبحر» غصن حي جميل معمر بالأوراق وبعض من الثمر، أما «البؤساء» فهي شجرة باسقة تخاطب أوراقها الريح وتجتذب ظلالها كل حي، من دبيبة وأنس، يحتمي من حرارة أشعة الشمس، وثمارها كالنجوم في سماء أوراقها، وأغصانها معابد للطيور. 

عندما نقارن بين روايتنا البسيطة بالملحمة العظيمة، من موضع المساحة المتاحة للتأمل واستنباط الأفكار بأشكالها الفلسفية والإنسانية المتعددة، نجد أن رواية الشيخ والبحر تعطي القارئ مساحة أكبر من ملحمة البؤساء، رغم أن حجم «البؤساء» يفوق حجم «الشيخ و البحر» عشر مرات، ولكننا عندما نجزئ «البؤساء» قصة قصة، فكل قصة على حدة تعطي مساحة للتأمل والاستلهام. الروايات الكبيرة والملاحم يقتضي تجزئتها إلى قطعها الفسيفسائية حتى يمكن للبصيرة أن ترى نور الإلهام منها، فالصور البسيطة مريحة للبصيرة. الصورة البسيطة قد تكون مجرد ورقة من غصن شجرة، أي صفحة في رواية بسيطة أو حتى مجرد جملة ترفرف روحها بالمعاني. الكاتب البرازيلي الشهير باولو كويلو يقدم لقرائه في العالم قصة أقصر من قصيرة، فهي جزء من صفحة وعدد سطورها لا تتعدى العشرة، وهي بمثابة ورقة من غصن شجرة. الكاتب يختتم القصة بقول من ابنه: «وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم»؛ المعنى الذي يشع من قول الابن في رده على أبيه واضح وضوح الشمس، لا يحتاج إلى توضيح ولا إطناب ولا تفسير، رغم أن الطفل في عالم والمعنى الإنساني العظيم الذي يغلف الطفل وأطفال المستقبل معه في عالم أوسع بكثير من مدارك الطفل… قصة أصيلة في بعدها الوجداني وعمقها الإنساني، قصة مثقلة بالمعاني الإنسانية العظيمة.

لأن الكتابة عن هذه القصة حتى بالمختصر يستهلك من الكلمات أكثر من كلمات القصة، فإننا سنورد القصة كاملة من أصل كلماتها اقتصادًا للكلمات، وهي: «كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته؛ وحين تعب الأب من ابنه قام بقطع ورقة في الصحيفة كانت تحتوي على خريطة العالم ومزقها إلى قطع صغيرة وقدمها لابنه وطلب منه إعادة تجميع الخريطة، ثم عاد لقراءة صحيفته، معتقدًا أن الطفل سيبقى مشغولاً بقية اليوم إلا أنه لم تمر 15 دقيقة حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة! فتساءل الأب مذهولاً: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟ رد الطفل قائلاً: لا، لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان اعدت بناء العالم»… خاتمة القصة توحي للقارئ أنه أمام رواية كبيرة أو ملحمة عظيمة، حتى يمكن استخلاص هذا المعنى الإنساني العظيم الذي خرج عفويًا من فم الابن الصغير دون أن يعي إنه تفوه بدرة الحكمة بين درر الكلام. ولكن مثلما قلنا، فإن المعاني العظيمة يشع نورها من الصور البسيطة. الكاتب الشهير باولو كويلو له روايات كثيرة ومن أشهرها رواية «الخيميائي» التي ترجمت إلى 80 لغة وتلقفها 150 مليون قارئ حول العالم، وقد تم تعيينه عام 2007 رسول السلام التابع للأمم المتحدة… هذا هو كاتبنا الذي كتب بضع كلمات، أقل من مساحة صفحة، ارتقى بها إلى مكانة ملحمة إنسانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها