النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

شكوكو ومسرح النوافذ..

رابط مختصر
العدد 11875 الثلاثاء 12 اكتوبر 2021 الموافق 6 ربيع الأول 1443

ومن محطة أرامكو التلفزيونية وبابا حطاب، إلى محطة الكويت وأفلام ومونولوجات (العرايسي) المصري الشهير محمود إبراهيم إسماعيل موسى الملقب بـ(شكوكو) برغبة من جده إسماعيل موسى الذي كان يهوى تربية الديوك الرومي «الدندي»، وكانت الديوك تتعارك فيما بينها وأحدها الأكبر حجمًا كان يطلق صيحة متميزة عندما يشتبك مع الديوك الأخرى، ويبدو كأنه يقول «ش ش كوكو» فأعجب الجد بهذا الديك، وكان يهتم به أكثر من الديوك الأخرى، وعندما أنجب ابنه إبراهيم ولدا أراد الأب أن يسميه «محمود»، وتمسك الجد باسم «شكوكو» وارضاء للإثنين تمت كتابته في شهادة الميلاد عام 1912محمود والشهرة «شكوكو» ثم أعيد قيد اسمه مركبًا بـ«محمود شكوكو» في السجلات..

هذا الفنان الذي اشتهر بالطاقية والجلابية البلدي التي يضعها على رأسه وهو يغني ويمثل... وأطلق عليه البعض «شارلي شابلن العرب»، كان يأسرني إلى درجة غير عادية بحيويته وأغانيه الكاريكاتيرية المحببة وشاربه الشبيه تمام الشبه لشارب شارلي شابلن، وعلاقته الحميمة بأراجوزاته الخشبية الصغيرة المتعددة وخاصة تلك التي تشبهه أو تلك التي جسدت شخصيته هو في مسرحه الصغير الشبيه بـ(الكشك) الذي يقدم من خلاله مونولوجاته وحكاياته الكوميدية اللطيفة التي تستوقف كل مارة الحي الشعبي الذي يقدمها فيه.

وهنا ينقلني (شكوكو) من الحكايات والوجوه المرسومة التي اشتهر بها (بابا حطاب) في برنامجه (ركن الأطفال)، إلى الحكايات المجسدة بالدمى والعرائس والتي تحيا وتعيش معه ومع المتفرجين عليها من خلال ما يبثه فيها من روحه وصوته، فتبدو وكما لو أنها شخصيات حقيقية وإن صغر حجمها.

أذكر أنه في اليوم الذي سيعرض فيه فيلمًا لشكوكو بالتلفزيون، أو صادف أن رأيت له فيلماً فيه، أمتنع تماماً عن الخروج من البيت، وأظل متسمرًا في مكاني بغرفة العائلة أتابع هذا الكائن الأراجوزي العجيب الذي أشعر وكما لو أنه يقدم هذا العرض حيا أمامي في الغرفة وليس في التلفزيون، وأكون في غاية المتعة وأنا أتفرج على شخصياته التي يقدمها من خلال مسرحه الصغير ويشاركها التمثيل في الآن نفسه، إلى درجة أنني كنت أتخيله موجودًا في كل (كشك) أو (مقصف) مدرسي، بل كنت أتمنى حينها أن يتحول كشك السندويتشات بمدرستنا إلى مسرح للعرائس، نمثل فيه ونصنع من خلاله عرائسنا، وكنت غالبا ما أسرح بمخيلتي وأنا طفل في ستينيات القرن الماضي، وأنا أرى نافذة البيع بكشك مدرستنا الابتدائية بالرفاع الشرقي، خاصة ما إذا كانت مفتوحة ولم يشغلها أحد، حيث تنتابني الرغبة للدخول إلى الكشك وتحريك كل ما بداخله من خلال نافذته باعتبارها عرائس تمثل معي أو أمامي. 

ويعتبر مسرح شكوكو الذي كان يطل علينا من شاشة التلفزيون، أول مسرح أشاهد من خلاله الأراجوزات والعرائس وهي تحيا وتمثل، ويحسب لشكوكو أنه أحيا فن الأراجوز الذي كان قد اندثر لدرجة أنه غنى للأراجوز أغنية «ع الأراجوز يا سلام سلم»، وهي الأغنية التي ظلت طويلا راسخة في ذاكرتي، بل وحتى هذا اليوم، وكما لو أن شكوكو بشكله وزيه العرائسي يعلن أن المسرح لا يمكن أن يموت بموت ممثليه، فهناك الأراجوزات وإن صُنعت من الأخشاب، فإنها بالإمكان أن تحيا وتكون رديفاً وبديلاً ومنافسا للممثل الإنسان. 

هذا الشكوكو العرائسي البسيط، لم يغادرنا دون أن يترك في نفوسنا أثراَ، فكنا نقلده في أية سانحة في بيوتنا، حيث نجعل من النافذة الشعبية التي كانت موصولة في بعتبة صغيرة في نهايتها والتي كنا نطلق عليها (الروشنه) وهي مكان بالحائط لوضع الاغراض فيه ويكون محفور مثل الدريشه، وغالبا ما تكون هذه الأغراض هي المبخر و(المرش) والمكحله وما شابه، نجعل منها مسرحاً للعرائس، حيث نستعين ببطانية صيفية في الغالب، نحدد من خلالها ستار ونافذة المسرح التي سنطل من خلالها على جمهورنا العائلي، وكنا نستخدم بعض الدمى المصنوعة من عظام الدواجن (المدود)، أو من القماش المتاح، ومن ثم نحركها ونتحدث معها ونحن منحشرين داخل النافذة أو من أمامها بالطريقة (الشكوكية) بعفوية تعوزها الخبرة والدربة، حتى صارت هذه النوافذ الشعبية بستاراتها السريرية مسارح نمارس فيها هوايتنا المسرحية، وأدركت حينها بأن للمسرح ستارا يفتتح به العرض ويختتم به، وكنت أتعرف للمرة الأولى بأن هناك مسرحًا خاصًا بالأطفال وإن كان يحمل أحيانًا معاني كبيرة يستوعبها الكبار أكثر منا في حينها، ولكن كانت متعتنا بها ربما تفوق متعة الكبار.. 

هذا الشكوكو الفنان العظيم، لو كان والده حينها يدرك قيمة الخشب الفنية الذي استخدمه ابنه شكوكو لإحياء عرائسه وأراجوزاته وإشاعة هذا الفن في عالمنا العربي، لربما ندم كل الندم على ضربه المبرح له بسبب عدم التزامه اليوم كاملا بالعمل في ورشة النجارة، فليل ابنه شكوكو الذي كان يستقطعه من اليوم لممارسة فنه وحواره مع العرائس وجمهوره، هو أيضا نتاج ما تعلمه من الورشة نفسها، وهو النتاج الذي جعل أحد النحاتين المعجبين به وبعرائسه أشد الإعجاب، من أن يصنع له تمثالا من طين الصلصال وعرضه للبيع، ومن هنا انتشرت تماثيل شكوكو (عروسة شكوكو).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها