النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

المهمات الدبلوماسية الصعبة (2)

رابط مختصر
العدد 11875 الثلاثاء 12 اكتوبر 2021 الموافق 6 ربيع الأول 1443

خلال سنوات عملي في السلك الدبلوماسي كنت على يقين بضرورة توثيق ما عايشته من أحداث وتجارب، فكنت أدونها في دفاتر وأوراق متناثرة بهدف تجميعها وترتيبها وإعادة صياغتها من جديد في المستقبل، فقد كان السبب وراء ما قمت بتدوينه على مدى سنوات عملي في وزارة الخارجية هو إدراكي بأن كل مشاهداتي وأفكاري ستكون مرجعًا مهمًا يومًا ما وفي لحظة ما من تاريخ البحرين والخليج والإقليم والعالم. 

ولم يكن هذا الطريق سهلاً أبدًا، فليس كل ما شهدته من أحداث صعبة ولحظات تاريخية ومواقف مختلفة ممكن توثيقه وتسجيله، وذلك لأسباب عدة، منها ضغط العمل ومنها ما هو متعلق بسرية وتسارع الأحداث السياسية بشكل كبير، فلا أجد الوقت لألتقط أنفاسي لتدوينها ولو كمسودات أولية! 

ولذلك فقد كنت أتوقف أحيانا لتدوين ما يمكن تدوينه بشكل سريع ومقتضب على أوراق مبعثرة هنا وهناك ليتوافر لي بعد سنوات طويلة كم هائل من المعلومات والتي عرضة للضياع في خضم انتقالي من محطة عمل إلى أخرى سواء داخل أو خارج البحرين، أو من بيت إلى آخر داخل البحرين، ووفقني الله لأوثقها على شكل مقالات انتظمت على نشرها بعد تقاعدي عن العمل الرسمي، وضمها كتابين صدرا في (أكتوبر 2018م)، وكتاب آخر سيجد طريقه للنشر في الأيام القليلة القادمة، وكل ما احتوته تلك الكتب من سيرة ذاتية عابرة وتحليلات سياسية هي من إيمان مطلق بحق الأجيال القادمة في معرفة التاريخ وخبايا الأحداث التي نعيشها اليوم، ولم أكن ساعيا قط إلى الحصول على منصب، لاكتفائي بما وصلت إليه من عطاء، حيث لم يكن يشغلني طوال السنوات الأربعين من عملي السياسي والدبلوماسي سوى أداء واجبي تجاه وطني وقيادتي بكل أمانة وتفان وإخلاص وحرفية وإتقان، حتى حان وقت التقاعد في (مارس 2015م) لأنطلق في حياتي بكل إيجابية وحرية خارج نطاق العمل الحكومي ومسؤولياته. 

وعودة إلى ما بدأته في مقال الأسبوع الماضي من سرد للمهمات الدبلوماسية الصعبة التي عشتها، فقد كنت في إجازة خاصة بصيف (2010م) في (نيويورك) أجمل مدن العالم التي أحببتها منذ وطأت أقدامي أراضيها عام (1975م)، وتلقيت اتصالاً من السفير جمال فارس الرويعي المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة يخبرني فيه بتكليفي من قبل معالي وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة بمهمة السفر إلى (جوبا) عاصمة جنوب السودان في محاولة أخيرة لوقف انفصالها عن (السودان)، بعد أن اتخذ مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري قرارًا بأهمية العمل على إقناع القادة الجنوبيين بالتراجع عن ذلك، حيث رأى الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة بأنه لا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال برنامج تنموي شامل في جنوب السودان، فاتفق الوزراء وتم اتخاذ القرار، وكلفت مملكة البحرين بالتحرك في هذا الاتجاه. 

وباشرت التحرك لتنفيذ المهمة الصعبة، بقطع إجازتي الخاصة، وأخذ التطعيمات المهمة التي كان يتوجب أخذها في نيويورك قبل أسبوعين من موعد السفر إلى السودان، وتفاجأت بالمبلغ الكبير الذي دفعته بعثة البحرين لهذه التطعيمات، ثم اختيار رفيق الدرب السكرتير الثاني حسن إبراهيم البلوشي - الذي أصبح اليوم سفيرًا بديوان وزارة الخارجية - وطلبت منه الاستعداد للمهمة، وترتيب حقيبة بالمواد الغذائية والمياه وأخذ التطعيمات اللازمة، وإضافة (الحذر الصحي) بسبب الأمراض المنتشرة في تلك المنطقة إلى جانب (الحذر الأمني) كما حدث لنا في مهمتنا السابقة في أفغانستان. 

وغادرت (نيويورك) وأنا أحاول تفسير سبب تكليفي بهذه المهمة وأنا على بعد آلاف الكيلومترات؟ وهذه المهمة التي قطعت إجازتي من أجلها؟ إلا أن الواجب والثقة التي منحني إياها الشيخ خالد كانت دافعا قويا لي لأداء وتنفيذ هذه المهمة دون تردد، فعدت إلى البحرين لتبدأ الرحلة في (1 أغسطس 2010م) عبر (القاهرة) ثم (الخرطوم) ومنها إلى (جوبا)، التي وصلناها على الخطوط الجوية المصرية، لتحط بنا الطائرة في مطار بدائي جدا لا يمكن تصور أن يكون في القرن الواحد والعشرين، واستقبلنا عدد من كبار المسؤولين في حكومة جنوب السودان الانفصالية وممثل جامعة الدول العربية، وتمت مرافقتنا إلى فندق بسيط جدًا لا أعتقد أن له تصنيف في عالم الفنادق، ولفت انتباهي أن المصعد مفتوح خارج الفندق إلى الدور الثالث الذي يضم غرفنا، وكانت الغرفة كبيرة بأثاث متواضع وبها نوافذ محكمة الإغلاق وتطل على سهل أخضر جميل. 

وبدأت اجتماعاتنا في يوم الوصول بحضور السفير سمير حسني مدير إدارة أفريقيا بجامعة الدول العربية، ثم تمت دعوتنا إلى العشاء في الفندق الألماني الذي كان عبارة عن عدد من الفلل الصغيرة أو الأكشاك التي تطل على النهر، وكانت جلسة رائعة جدا على ضوء القمر وانسياب النهر بهدوء، وتم تبادل الأحاديث مع عدد من المسؤولين الجنوبيين والسفراء الأجانب. 

وفي نهاية ذلك اليوم الطويل، عدت إلى غرفتي في الفندق، وكانت الصدفة أن تحمل غرفتي رقم (16) ودرجة حرارتها (16) درجة مئوية، فكانت كانت باردة جدا، فطلبت من موظفي الاستقبال رفع درجة الحرارة إلا أنهم أخبروني بأنه يوجد تحت السرير سرب كبير من البعوض الخطير جدًا وهو ميت إكلينكيا بسبب درجة الحرارة هذه، لذا فإن النوم في هذا الجو البارد أفضل من التعرض لهجوم البعوض القاتل، فأخذت بالنصيحة ونمت نوما قلقا بسبب ذلك، وفي صباح اليوم التالي، حضرت اجتماعًًا مع وزير التنمية والاستثمار السوداني الذي كان يرتدي مصوغات ذهبية باذخة جدا وساعة رولكس فاخرة، وأوضحت له اهتمام الدول العربية بجنوب السودان وأن مملكة البحرين سوف تنظم اجتماعا في (جوبا) لدراسة المشاريع التنموية فيها، وستقوم بحملة لجمع الأموال وتشجيع الاستثمار من قبل الشركات الوطنية وبنوك الأوفشور في البحرين، وطلبت منه إعداد مجموعة من الدراسات الاستثمارية لمناقشاتها في (مؤتمر جوبا 2) وأبدى تعاونه في ذلك، إلا أنني شعرت بأن المبادرة العربية جاءت بعد فوات الأوان للأسف، وبعد القرار النهائي لقادة الجنوب بالانفصال عن الوطن الأم السودان بدعم أمريكي وأوروبي واضح جدًا، وأدركت بأن الوطن العربي يزداد تمزقا بسبب سوء إدارة أزماته، إلا أن مملكة البحرين قدمت مبادرة ذهبية لتلك الأزمة لإيمانها بضرورة لمّ شمل الأمة العربية من الخليج إلى المغرب وتحقيق حلم الوحدة العربية المنشود الذي أصبح بعيد المنال بسبب أنظمة الحكم ومعاناة الشعوب العربية من القهر والخوف من المستقبل المجهول. 

وغادرنا (جوبا) بعد جولة سياحية بين السهول الجميلة على امتداد النظر، وفي طريق عودتنا إلى البحرين، اجتمعت مع وكيل وزارة الخارجية في الخرطوم وأوضحت له بصراحة تامة بأن (جنوب السودان) يسير حثيثا وبقوة نحو الانفصال عن وطنه الأم وليست هناك قوة ستتمكن من وقف هذه العملية المدعومة من الدول الكبرى، وهذا ما حدث فعلاً، فبعد أسبوعين من عودتنا إلى البحرين تم الإعلان عن قيام (جمهورية جنوب السودان) الغنية بالنفط التي لم تنضم إلى جامعة الدول العربية حتى اليوم لأسباب لا مجال لذكرها هنا، وفقدت الأمة العربية بذلك أجزاء أخرى من أراضيها! 

ومهمة دبلوماسية ثالثة في مقال الأسبوع القادم 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها