النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حوكمة العمل الخيري..!

رابط مختصر
العدد 11875 الثلاثاء 12 اكتوبر 2021 الموافق 6 ربيع الأول 1443

لم نكن بحاجة إلى اللغط الذي أثاره البعض حول تبرعات الجمعيات الخيرية لنتيقن كم هو هذا الملف بحاجة الى وقفة متعمقة وجادة ومسؤولة من أجل بلوغ إجابات محددة على اسئلة جوهرية تفرض نفسها على الدوام، أسئلة عددها ليس بالقليل..!

اللغط المثار جاء هذه المرة على خلفية اقتراح أحد النواب، هو اقتراح ليس ككل الاقتراحات، ليس فقط لأنه أثار جدلًا كبيرًا بين كثر من المواطنين بين مؤيد ومعارض، بل اضافة الى ذلك انه أثار أمورًا عديدة تتصل بحوكمة العمل الخيري، ومسارات عمل الجمعيات الخيرية وتبرعات هذه الجمعيات، والمسموح والمشكو منه فيما يخص هذه التبرعات، الخارجية على وجه التحديد لتفادي ما ينال من شفافية العمل الخيري ويولّد الارتياب.

نعلم إن هذا الملف شائك، ومشوب بالمحاذير بالنسبة للبعض، ولن يكون غريبًا أن تجد من هو على استعداد لشن معارك شرسة تجاه من يستفسر او يريد الوقوف على حقيقة مسارات هذه التبرعات، واين تذهب، ولمن تذهب، وكيف تدار، وعلى أي أساس توزع، وما هي الضمانات التي تجعل تلك التبرعات بمنأى عن أي شبهات تبديد أو فساد أو إنفاق خلافًا لرغبات المتبرعين..؟!

المقترح الذي تجاسر النائب إبراهيم النفيعي خلاصته «المطالبة بحظر جمع المال والتبرعات للخارج عن طريق الجمعيات الخيرية لتجنب استغلالها في أهداف مشبوهة مثل عمليات غسيل الأموال وتمويل الارهاب والجماعات المتطرفة»، ولا ينسى الرجل أن يضيف «من غير المعقول والمنطقي أن يتم جمع الأموال للخارج من بعض الجمعيات الخيرية وفي داخل البحرين العديد من المحتاجين والكثير من المنازل الآيلة للسقوط وهؤلاء هم في حاجة للتبرعات والمساعدة بدلاً من التوجه للخارج».

مع ملاحظة أن هذا ملف يلف ويدور، بمعنى أنه ليست المرة الأولى الذي يثار فيها لغط حول هذا الملف وكأنه يدور في الفراغ، أو يتلفع بالصمت بدلاً من أن يكون تحت المجهر..

في ذات الاتجاه جاءت ردود فعل وتعليقات المؤيدين للحظر وهي تستند على تبريرات مثل أن على جمعياتنا الخيرية أن تفكر وتعمل وتركز على محيطها المحلي، على الداخل قبل الخارج، وإن أهدافها ومنطلقات عمل جمعياتنا الخيرية قام على هذا الأساس، وإن الأقربين أولى بالمعروف، مع تمنيات أحدهم بأن يلج هذا الموضوع إلى وجدان المعنيين بالحسم والتسليم لتكون هذه التبرعات حصرًا على المحتاجين في البلاد اولاً، ثم تفكر بتوجيه جزء منها الى الخارج، هذه دعوات وجيهة وفي محلها بالرغم من بعض الوقائع الى تحدث عنها البعض حول دعوات تبرع مشبوهة افتقدت النظامية بل والمشروعية قام بها اشخاص تخفوا في لباس المحسنين أو استظلوا بشعارات عمل الخير، أو بثوا رسائل نصية ومنشورات ورقية عبر مواقع الكترونية، وحتى في محطات تليفزيونية خاصة..!

ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنه ليس هناك جمعيات خيرية ركزت عملها على الداخل، وخدمة المحتاجين في الداخل، جمعيات يمكن أن يضرب بها المثل فى التضحية والتطوع، وحصلت على التراخيص اللازمة، وأخضعت كل مسارات عملها على آليات ممنهجة ولوائح تنظيمية شفافة في استحصال التبرعات ومراقبة سيرها واستخدام تقنيات الحوكمة وتمكين الطرف المتبرع بمعرفة أين سيتجه واين سيصرف ما تبرع به من مال، وجعلت كل مشروع خيري له حساب مصرفي معين، ومعروف كم الرصيد ومصدر الأموال التي تدخل الحساب بشكل دقيق، كما هو معروف نسبة مصاريف الإدارة والرواتب والأداء والتشغيل داخل هذه الجمعيات، كل ذلك يتم تحت متابعة ورقابة وإشراف الجهات الرسمية المعنية، ولكن بالمقابل هناك جمعيات، أو جهات استظلت تحت مسمى جمعيات افتقرت الى تلك المتطلبات أو بعضها، لم تحصل على التراخيص اللازمة، وجمعت أموالاً تحت عنوان العمل الخيري وركزت في تبرعاتها على الخارج سيّرتها في أغراض أو مشاريع تذهب إلى متاهة من الإشكالات، أو مسارات غير واضحة في المعالم والأهداف والغايات والمآرب إن لم تكن مشبوهة.

يمكن في السياق ذاته أن نلفت الانتباه كمثال الى ما أشير من قيام قناة فضائية عربية خاصة جعلت جمع التبرعات من المشاهدين «بيزنس صريح» ونظمت حملة متواصلة سميت «حملة بناء المساجد»، وقدمت بعض ممن أطلق عليهم دعاة ووعاظ في سوق التدّين الشكلي - وما أكثرهم هذه الأيام - يتحدثون عن فضائل التبرع للمساجد والثواب الكبير الذي يناله من يتبرع وما يدخله في ميزان حسناته، ويستخدم كل ما يمكن لاستدرار الأموال من آيات وأحاديث نبوية ومقولات لعلماء، وكان ملحوظًا أنه لا مبلغ محدد مستهدف، ولا مشروع مسجد معين او مشاريع مساجد معينة يعتزم بناؤها، ولا في أي منطقة أو بلد ستقام، دعوة عامة مبهمة ومطلقة ومفتوحة، غير محددة المدة ولا الهدف ولا الهيئة المتابعة أو المشرفة أو المسؤولة، وهو الأمر الذي يفقد مثل هذه الحملات لجمع التبرعات أية مصداقية ويثير حولها كمٍ من الشبهات والشكوك التي غالبًا ما تصل الى حد اليقين، وهو الأمر الذي..

هناك من يجمع الأموال جماعات أو جمعيات أو أفراد بذريعة بناء مسجد هنا أو هناك أو إتمام مشروع مسجد، وهناك من يفعل ذلك تحت عنوان إغاثة منكوبين أو نازحين في بلد ما، أو من أجل دور أيتام أو تحفيظ القرآن، أو حملة تزويج الشباب المحتاج، أو إتمام مشاريع ذات وجهة خيرية، أو مبادرات إنسانية، ولا ينسى هؤلاء إن استدعى الأمر من فبركة خطابات رسمية وتقديمها على أنها صادرة عن جهات رسمية موثوقة بهدف إقناع المتبرع بشرعية جمع الأموال، بالإضافة إلى منشورات مضللة تبيّن المشاريع والإنجازات والبرامج التي تقوم بها الجهة التي يستظل بها من يقف وراء جمع الأموال، زكاة أو تبرعات، دون سند قانوني.

صحيح هناك ضوابط، وهناك قرارات منظمة لجمع الأموال التي تغلف بالنبل والإحسان والعمل الخيري، وهناك تحذيرات وتنبيهات، كل ذلك في سبيل الحفاظ على نظافة العمل الخيري وتنقيته من الشوائب من جانب محتالين يتكسبون من هذه الشوائب، ولكن الصحيح أيضًا أننا أمام ملف تثار حوله على مستوى المنطقة العربية بوجه عام شكوك متراكمة حول سلامة التبرعات للأطراف أو الجهات التي تصب التبرعات في خزائنها، وسلامة التصرفات المالية والإدارية، وحول ثقافة التبرع لأعمال الخير والنأي بالعمل الخيري من أن يتلطخ بالشكوك والمآرب واستغلال طيبة البعض واندفاعهم من أجل الخير ومساعدة الآخرين والتعاطف الانساني، من المؤكد أن هناك من يفعل ذلك وهؤلاء لا يقلون إجرامًا عن تجار الحروب والأزمات الذين لا يهمهم أمن وأمان الفقراء، هذا بافتراض استبعاد الربط بين التبرعات للعمل الخيري وتهمة تمويل الارهاب، وهي التهمة التي وجدناها مثارة في أكثر من مناسبة وفي أكثر من بلد، وأدى الى ضوابط وتبني آليات رقابية.

هذا ملف مهم ومتشعب وعميق جدًا، وزاخر بالتفاصيل المتشابكة في آنٍ واحد، خاصة في ظل هواجس بأن تذهب هذه الأموال لتمويل عمليات إرهابية أو احتيالية أو غسيل أموال، هل يمكن أن يفتح بمنتهى الجرأة والشفافية..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها