النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

طريق التعايش السلمي

رابط مختصر
العدد 11874 الإثنين 11 اكتوبر 2021 الموافق 5 ربيع الأول 1443

المنطقة العربية التي تتعافى من سموم الارهاب والتطرف العنيف التي ضربتها مطلع العام 2011 هي اليوم تحاول إعادة رسم هويتها، فلا يمكن أن تستمر في حالة عدم التوازن، فالكثير من الدول تتهمها بالازدواجية، فتارة مع قوى التطرف، وتارة أخرى مع دعاة السلام والتسامح، وهو تناقض كبير في عالم يرى ويسمع حتى دبيب النملة في جحرها، اذ لا يمكن رفع شعارات السلام واحتواء التنظيمات الارهابية في ذات الوقت، وهو الأمر الذي أوقع بعض الدول في اشكاليات كبيرة، تأثرت معها العلاقات وتقطعت بسببها الصلات.

فالأصل في العلاقات البشرية هي العيش والعمل المشترك، والتعارف والتعاون، هذا هو الاصل الذي خلق الله الأرض من أجله، وجعل الخلافة للعنصر البشري مهما كانت عقيدته أو دينه أو مذهبه أو عرقه، هو الانسان الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، والاستثناء مظاهر التطرف العنيف بكل اشكاله الديني والسياسي والاقتصادي، لذا اهتمت المجتمعات بجانب التعايش السلمي، وهو الجانب المضيء في تاريخ الشعوب والمجتمعات.

قد يتعجب البعض من مصطلح (التعايش السلمي) بحكم حداثته وظهوره فترة الايدلوجيات المتطرفة، وقد يسخر منه آخرون ممن يحملون أجندات احادية الفكر والجانب حيث يرفضون العيش مع الآخرين لأسباب سياسية وأجندات خارجية، ولكن ذلك كله لا علاقة له بالتعايش بين البشر.

والتعايش السلمي الذي اختارته بعض الدول ومنها البحرين يعود لأسباب تاريخية متعلقة بالهوية البحرينية القديمة، فقد كانت البحرين ولا تزال ملتقى الحضارات القديمة، وهو الأمر الذي أوجد تنوعاً اجتماعياً جميلاً، ولمن شاء فليتامل بالمنطقة القديمة بالعاصمة (المنامة والمحرق)، فبجانب المسلمين نرى المسيحيين واليهود والهندوس والبهائيين وبوذا والسيك، ونرى دور العبادة بتنوعها الديني الجميل، جوامع ومساجد ومآتم بالاضافة الى الكنائس والكنيس اليهودي والمعبد الهندوسي والمقابر لأتباع الديانات، وكذلك هناك بعد اجتماعي حيث يلتقي التجار وأصحاب المهن باختلاف مرجعياتهم الثقافية لتحقيق المصالح بينهم، وفي الجانب السياسي تعززت الكثير من العلاقات بين الدول من خلال التسامح الديني والتعايش السلمي.

قد ينطلق التعايش السلمي بين الدول من خلال اتفاقيات ومذكرات تفاهم كما جرى بين البحرين ودولة اسرائيل، ولكن الأهم أن يتحول الى علاقات بين الشعوب، وهو صمام الأمن، فالتعايش السلمي في العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة يجب أن يكسر تابو الحقد والكراهية وينطلق إلى عالم مفتوح، يجب أن يتعايش العالم في حب ووئام، وأن تتحول لغة العلاقة بينهم من حالة الحرب الى مرحلة السلام، يجب أن لا تستخدم مصطلحات الحرب والقتل والدمار، وأن يكون بدلاً منها عبارات السلام والتسامح والتعايش، وهو المنهج الذي تعامل به رسول الاسلام مع نصارى نجران، ويهود المدينة وغيرهم.

يجب أن نستثمر العلاقة التي تقيمها الدولة مع الدول الاخرى بما يعزز العلاقة مع البشر، يجب ان نستثمر الفرص التاريخية لنقول للعالم نحن نختلف عن الدول الصدامية، نحن دول وشعوب نبحث عن السلام والعيش المشترك.

المسؤولية بلا شك صعبة لما تحمله المرحلة من إرث قديم قائم على الحقد والكراهية والأنانية، لذا لا يمكن ترك الأجيال القادمة في وحل الصراعات القديمة وكاننا لازلنا في حرب داحس والغبراء!، يجب أن ينتقل الشباب والناشئة الى مرحلة التعايش والتسامح والسلام، وهذا ما اكدت عليه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) من ضرورة تعزيز التعايش بين الأجيال الحالية والقادمة، وأن يعلنوا بأن العالم لا يمكن أن يستقر دون مفاهيم السلام والتعايش وحقوق الانسان.

التاريخ لم يغفل هذا الجانب، فرغم أن دعاة الصدام والأجندات الاحادية يروجون لفكر الأحادية الدينية الا أن التاريخ شاهد على علاقة العرب والمسلمين باتباع الأديان، فقد استقر المسيحيين في بلاد العرب دون مشاكل، واستقر كذلك اليهود دون مشاكل، واستقر الهندوس وغيرهم مع كامل حريتهم الدينية، وينقل روبرتسن في كتابه (تاريخ شارلكن) عن هذه العلاقة قائلا: (إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم، تركوا من لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليمهم الدينية).

نفهم من ذلك أن التعايش السلمي في ضوء مقاصد الشريعة الاسلامية ضرورة بشرية، وهذا ما تنتهجه مملكة البحرين التي وضعت أسساً حضارية للتعايش السلمي بين البشر، قد لا نرى ثمارها اليوم ولكن بالتأكيد سيراها الجيل القادم الذي سيثني على هذه المرحلة المهم من تاريخ المنطقة، وسيثني على جلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة الذي اختار طريق الإسلام والتعايش السلمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها