النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

سؤال عن قدرة إيران

رابط مختصر
العدد 11871 الجمعة 8 اكتوبر 2021 الموافق 2 ربيع الأول 1443

 هل تملك إيران فعليا القدرة لتصبح قوة ضاربة تشكل معها تهديدا لدول الخليج العربي ضمن محيطها الاستراتيجي العربي بالاعتماد على جيشها واقتصادها وجبهتها الداخلية المسكونة بعوامل الضعف والتصدع السياسي والاقتصادي والاجتماعي مضافا إلى كل ذلك التغيرات الجيوبوليتيكية المحيطة بإيران التي يبدو أنها تجهز نعش نظام الملالي للقذف به في مزبلة التاريخ لما يمثله من عبء على تطور المنطقة ومشاريع تنميتها؟ 

 هذا سؤال منطقي يطرح نفسه بعد مضي هذه المدة الطويلة من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية التي فرضها النظام الإيراني على نفسه باختياره اتباع سياسة خارجية كل ما فيها مهدد للاستقرار والسلام المرغوب في منطقة تُعد شريانا أساسيا من شرايين الاقتصاد العالمي، ويتضاعف وقع هذا السؤال ونحن نرقب المد والجزر في جملة التهديدات التي يتناوب على اطلاقها أصحاب النياشين العسكرية في الحرس الثوري الإيراني أو أولئك الذين نزعوا هذه النياشين ليلبسوا البدلة مثل وزير خارجية إبراهيم رئيسي حسين أمير عبداللهيان ضد دول جوارهم العربي في استعراض قوة مشكوك في أمرها. 

 في تقديري أن هذا السؤال جوهري وينبغي وضعه في الحسبان عند الحديث عن تهديد إيران المفترض لهذه الدول؛ إذ لا شك وأن كل من يتابع نشاط هذه الدولة العسكري في الإقليم، يتضح له أنه بخلاف قواتها البحرية المشكوك في قدراتها، وبخلاف تنطع مسؤوليها وعنجهيتهم وادعائهم امتلاكهم قدرات خارقة لم تشهدها البشرية من قبل ولن تبلغها التكنولوجيات العسكرية في أكثر الدول تطورا في هذا المجال، لا يوجد ما يشير إلى أن هذه البلاد المتورطة بمشاكلها الداخلية تستطيع أن تحدث انقلابا في ميزان القوى مع دول المنطقة، إذا ما كانت أمريكا ودول الغرب فعلا جادة في عدم تمكينها من الحصول على السلاح النووي. ولعل أداء حرسها الثوري في سوريا مع مجموعة ميليشياتها التي تأتمر بأمرها الذي تتساقط ضحاياه بشكل يومي وتتلقى قواته خسائر مادية متواصلة، تبين بما لا يدع للشك مجالا هشاشة القوام العسكري لهذه الدولة في مواجهة الهجمات الإسرائيلية التي كانت في جلها تأديبا لإيران على تطاولها وتجاوزها دورها المسيّج بمصالح الدول الكبرى هناك.

 إيران هذه، ومنذ انقضاض ملاليها على الحكم وإنشاءهم نظاما ثيوقراطيا طائفيا، جعلت من فكرة ولاية الفقيه الخمينية، مطيتها لتحقيق مكاسب سياسية، فأوهمت الجماعات الراديكالية في البلدان العربية ومن ضمنها بلدان الجوار الجغرافي بمسؤوليتها الدينية المذهبية وبتوفيرها الحماية لهم وأغدقت عليهم، في الإقليم وفي البلدان العربية، وخصوصا في لبنان والعراق واليمن، المال والسلاح لتأسيس مجموعات مسلحة أو ما يعرف بالـ«ميليشيات»، خارج إطار الدولة، واستثمرت في قضية العرب الأولى فلسطين- قبل أن تصبح هي نفسها قضيتنا الأولى في الخليج العربي نتيجة ممارساتها المزعزعة للأمن والاستقرار - استثمارا لم يخل من نوايا شيطانية شقت بها وحدة الصف الفلسطيني لتمكن حماس الإخوانية بفضل دعمها السخي من الاستئثار بحكم قطاع غزة لتعزله عن السلطة الفلسطينية. وهذه السياسة القائمة على الاستثمار في الجماعات الدينية والمذهبية جعلت قادة الحرس الثوري يتباهون، كما تباهوا من قبل بالسيطرة على ثلاث عواصم عربية، بتأسيس 6 جيوش إيرانية خارج الحدود، ويقصدون، حزب الله، والحوثيون، ونظام بشار الأسد، والميليشيات الولائية العراقية، بالإضافة إلى حماس والجهاد الإسلامي.

 سياقات التاريخ وتحولاته تجعلنا نذكر إيران بأن هذه الميليشيات التي أنفقت عليها بسخاء بهدر مقدرات الشعب الإيراني لاستهداف هوية العرب وانتماءاتهم الدينية والوطنية والتي تتبجح بتسميتها بالجيوش الإيرانية في البلدان العربية، لن تفيدها في شيء عندما تغضب الشعوب ضد المساس بهويتها وخدش كرامتها، ولن تنفعها عندما يختار الإيرانيون بديلهم الذي يضع مصلحة إيران والشعوب الإيرانية فوق مصلحة المذهب الطائفي الذي يتغذى عليه النظام.  إذا كانت إيران في ذروة اندلاع ما سُمي بـ«الربيع العربي»، ومع كل التسهيلات التي قدمتها الولايات المتحدة لتيارات الإسلام السياسي لم تستطع أن تغير الواقع في الإقليم وبقيت أنظمته السياسية قوية شامخة وذلك للندية التي تشكلها قوة دول مجلس التعاون بقيادة المملكة العربية السعودية وعزيمة شعوبها وولاءها المطلق لهويتها، فإنها اليوم في ظل هذا الواقع الجيوبوليتيكي المتبدل أضعف كثيرا من أن تؤثر في وحدة النسيج الاجتماعي في داخل دول مجلس التعاون. فاشتعال مسألة الحدود بين إيران وأذربيجان وتصاعد نذر المواجهة بينهما ونهوض الحس القومي الأذري في الداخل الإيراني، الذي يشكل فيه الأذريون ما نسبته 16 إلى 25 في المئة من عدد السكان البالغ 84 مليون نسمة تقريبا، لا بد وأن يغير في المعادلة وينهك «الغرور» الفارسي الذي يوجه السياسة الإيرانية ويجعله يبحث عن السلام الذي ظلت تعرض عنه على مدى السنوات الماضية مع دول الجوار العربي. 

 وبالعودة إلى سؤالنا في مقدمة المقال «هل تملك إيران القدرة لتصبح قوة ضاربة تشكل تهديدا لدول الخليج العربي ضمن محيطها العربي؟» نقول إن الواقع السياسي يتغير ويتخذ مسارات طبيعية جديدة ليست في صالح إيران، ما يعني أنها لن تستطيع أن تشكل تهديدا يخل بما هو قائم، وإن كانت تصرفاتها في اليمن لم تشهد بعد على ما نقول! فانتصار ظرفي هنا أو هناك في مناطق النزاع التي طالتها الأيادي الإيرانية، أو تخاذل ظرفي من الولايات المتحدة أو بعض الدول الغربية لعوامل داخليّة أو لحسابات خاطئة، لا يعني أبدا أن إيران حسمت الحرب لصالحها؛ لأن معادلة قمع الداخل وزرع الفتن في دول الجوار التي أقام عليها النظام الإيراني استمراره لأربعة عقود ستختل حتما بفشل إيران في ضمان استمرار أحد طرفيها؛ إذ اليوم ما عاد الداخل الإيراني يتحمل مزيدا من القمع والتفقير الممنهج، وما عاد الجوار الإيراني لقمة مستساغة يرتع فيها أذناب إيران من دون حساب أو عقاب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها