النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

المهمّات الدبلوماسية الصعبة (1)

رابط مختصر
العدد 11868 الثلاثاء 5 اكتوبر 2021 الموافق 28 صفر 1442

مرَّت في حياتي العمليّة - عندما كنتُ وكيلاً لوزارة الخارجية للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون - العديد من المهمات الدبلوماسية الخطيرة والمُكلفة والتجارب الشاقّة التي تسبَّبت لي حينها بحالة من الخوف الشديد والألم بسبب التزامي بتسخير كل طاقتي وجهدي في خدمة وطني أولاً وأخيرًا، وهي مبادئي في الحياة والتي لا أحيد عنها مهما كلَّفني الأمر. 

فتلك المهام لم تغيّر من مكاني ولا من مكانتي، فلم أسعَ من خلالها إلا لتأدية واجبي الوطني على أكمل وجه في كل الظروف مهما كانت صعبة وخطيرة ومعقّدة؛ فأنا أعلم يقيناً أن من يعمل في المجال السياسي لا يمكن له أن يملك ساحة المعركة أو من يقف أمامه في الجانب الآخر، ومؤمناً بأن عجلة التاريخ لا تتوقف وسوف تأتي لحظة الحقيقة نتيجة حسابات معيّنة أو مدفوعة بمصالح معيّنة أو نتيجة ردود أفعال تتحكَّم في هذه الحقيقة! 

وهكذا مرَّت سنوات عملي السياسي بين محطات كثيرة جدًا عملتُ بها وواجهتُ فيها مواقف وأحداث كثيرة وتحديات مختلفة ومتشعبة، وكُلفتُ خلالها بمهام وزيارات، إلا أن استعادة الوقائع اليوم بعد تلك السنوات الطويلة التي تناهز الأربعين عامًا، يتطلَّب أن يكون توثيقها للتاريخ وليس للتفاخر؛ فقراءة أحداث التاريخ وتحليلها هي في حقيقتها أمانة للأجيال القادمة التي من حقها علينا أن ننقل إليها الحقائق المجرَّدة المستوفية الأركان والمتوازنة في سرد الأحداث التي عشتُ وقائعها لحظة بلحظة. 

وفي رحلتي في كتابة المقالات -التي انطلقت بنشر المقال الأول بتاريخ (1 مارس 2015م) بعنوان (أيامي الجميلة)- بذلتُ جهودًا مضنية لتكون كتاباتي بمثابة توثيق سلس وواضح لأحداث تاريخية ومحطات مهمة ومؤثرة في تاريخ الخليج والوطن العربي والعالم، إيماناً منّي بحقّ الأجيال القادمة في معرفة حقائق تلك الأحداث، واحتراماً لعقلية القارئ الفطن الذي لا يقبل بتزييف الوقائع؛ فاستعادة أحداث التاريخ وتحليل الوقائع لتوثيقها في سطور برؤية علميّة وسياسية متخصّصة من شخص تشرَّب العمل السياسي والدبلوماسي هي واجب عليَّ تجاه الوطن والتاريخ. 

ورغم كمّ المعلومات الحسَّاسة والمخزَّنة في ذاكرتي، ورغم الحقائق المتغيّرة والسرعة الهائلة لتقلّب الأحداث، وما يتبعها من ردود أفعال متباينة على كافة المستويات، وما يتطلَّبه مني التحليل السياسي المجرَّد من دقة متناهية في حساب انعكاس تغيّر تلك الأحداث على الأوضاع السياسية عمومًا وعلى كيفية معالجتها عند الانفجار، فإنني بذلتُ جدًا نفسيًا وذهنيًا يفوق التصور والإدراك وعملتُ جاهدًا في سبيل تقديم المعلومة الدقيقة والموثوقة ووضعها في إطار علميّ بحت لتكتمل صورة المشهد السياسي وتتحقَّق القراءة الموضوعية للتاريخ احتراماً للقارئ الذي يبحث عن الحقيقة الصافية، وحرصتُ في كل ما أكتب على تقديم الأحداث وتحليلها بكل تجرّد إيماناً مني بحرية تداول المعلومات، وجمعتُ نتاج رحلتي مع المقالات في كتابين نشرتهما في (أكتوبر 2018) لأضع بين يدي القارئ الكريم مرجعاً تحليلاً قائماً على حقائق أحداث الجغرافيا والتاريخ تستفيد منه الأجيال القادمة. 

وعودٌ على بدء، فإن هناك تراكماً هائلاً للمعلومات والأحداث التي عايشتُ تفاصيلها شخصيًا والمهمات الدبلوماسية الصعبة والخطيرة والحسَّاسة التي تولّيتها، والتي منها على سبيل المثال حضور اجتماع لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في (مارس 2014) في مدينة كابول مخصَّص لمناقشة أمن أفغانستان، حيث كلَّفني وزير الخارجية آنذاك الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة بترأس وفد مملكة البحرين في الاجتماع بصفتها عضوًا في مبادرة اسطنبول للتعاون الاستراتيجي، وقد ضمَّ الوفد العميد محمد عبدالله الحرم الوكيل المُساعد للتخطيط والتنظيم بوزارة الداخلية والعقيد عبدالله راشد بوراشد مدير إدارة الوقاية من الجريمة بوزارة الداخلية والسيد حسن صالح البلوشي السكرتير الثاني بوزارة الخارجية آنذاك، وأُصيب أحد أعضاء الوفد بتسمم شديد، ولحُسن الحظ كنتُ دائمًا ما أحمل حقيبة تضمّ أدوية متنوعة في المناطق الصعبة، ومنها دواء التسمم، الذي ساعده كثيراً على التعافي، خصوصًا في ظل عدم وجود أطباء لمعاينة حالته الصحية، وكان مشهدًا مهمًا انضمامه إلى الاجتماع؛ حيث كان مسؤولاً عن تقديم عرض أمني أمام الوفود المشاركة، وكانت مهمة الوفد تأكيد تضامن البحرين مع المجتمع الدولي ضد الإرهاب، وتقديم دعمها للجهود الدولية والأمريكية تحديدًا من أجل تثبيت الأمن والاستقرار في أفغانستان، ولم تكتفِ مملكة البحرين بالدعم السياسي بل كانت لها مساهمات لوجستية على الأرض في أفغانستان حتى أعلنت الولايات المتحدة في (عام 2014) البدء في تنفيذ خطة الانسحاب. 

ومنذ لحظة وصولنا الأراضي الأفغانية لحضور ذاك الاجتماع وحتى مغادرتها كانت ترافقنا فرقة أمنية مدجَّجة بالسلاح أثارت مخاوفنا من أن نكون هدفًا ثمينًا لطالبان والقوى الإرهابية المنشرة في كل أنحاء العاصمة كابول، وحصل ما كان متوقعًا جدًا، فبعد مغادرتنا مكان إقامتنا (فندق الشيراتون) بعشر دقائق تعرَّض الفندق المقابل له - والذي يبعد عنه بمسافة خمسة عشر مترًا فقط - لهجومٍ إرهابي شنّته تسعة عناصر إرهابية، ما أثار الهلع في نفوسنا، فكانت لحظة انتهاء الاجتماع ووصولنا إلى المطار - الذي بناه السوفييت في أثناء احتلالهم لأفغانستان - لحظة فارقة أشاعت الهدوء والاطمئنان فينا بعد رحلة محفوفة بالمخاطر حتى اللحظات الأخيرة منها، خصوصاً وأن الطريق إلى المطار يمرّ بسوق المدينة الذي يضمّ حشوداً كبيرة من الأفغان؛ فكان هاجس الخوف من حدوث عمل إرهابي في أيّة لحظة يتملَّك مشاعرنا، حتى تجاوزنا الخطر ووصلنا إلى المطار عائدين إلى الوطن بمشاعر ممزوجة بالفرح بسلامة العودة، وبالقلق على مستقبل الشعب الأفغاني الذي كُتب عليه أن يواجه المجتمع الدولي بكامله ويُعاقب بعناوين التطرّف والإرهاب بسبب الهجوم الإرهابي على برجي التجارة العالمية بنيويورك في (سبتمبر 2011)! 

ومهمة دبلوماسية أخرى في مقال الأسبوع القادم... 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها