النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

«سني في كربلاء»؟!

رابط مختصر
العدد 11867 الإثنين 4 اكتوبر 2021 الموافق 27 صفر 1442

 نشر الناشط والفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي الشاب عمر فاروق فيديو يوثق رحلة له إلى العراق نزل فيها ضيفًا على مدن ومناطق عراقية عدة، وقد خصّ في رحلته تلك مدينة كربلاء بالزيارة الأخيرة، ولهذه المدينة مكانة اعتبارية كبرى في الوجدان الجمعي للمسلمين العراقيين لاحتوائها ضريحي الحسين بن علي رضي الله عنه وأخيه العباس. قد يبدو الحدث لأول وهلةٍ عاديًا لا غرابة فيه، ولكن كل من يعلم أن عمر فاروق مسلم سني سيقول مباشرة إن في هذه الزيارة جُرأةً ما بعدها جرأة، أو أن فيها تهورًا دالاً على عدم تقدير مخاطر زيارة بلد يُقتل فيه الناس على الهوية في ظل سيطرة ميليشياوية على مفاصل الدولة عجزت حتى الآن كل الحكومات عن احتوائها وجعل السلاح حكرًا على الدولة، أو أن وراء هذه الزيارة وتوثيقها على النحو الذي تداولها به الناس أمرًا ما.

 أجرى الشاب عمر مع من جمعته مصادفات الرحلة من سكان هذه المدينة لقاءات وثّقها فيديو انتشر سريعًا عبر وسائط منصات التواصل الاجتماعي شأن «اليوتيوب» أو الواتساب، وجعل عمر محور لقاءاته معرفة رد فعل محاوريه من أهل كربلاء إذا ما عرفوا أن ضيف المدينة سني واسمه عمر فاروق»! كان هذا السؤال الذي يتردد في كل لقاء جديد لعمر: «إذا واحد اسمه عمر فاروق هل مرحب به في كربلاء؟» عبارة عن تأكيد ضمني لإجابة ترددت في مختلف عبارات الترحيب التي صيغت بلهجة عراقية جميلة لا يلمس سامعها إلا صدقًا نقض مضامين مختلف التحذيرات الكثيرة التي قال عمر إنها وصلته حين أعلن نيته زيارة كربلاء. 

 أعطى عمر أو متداولو الفيديو عنوان «سني في كربلاء» لهذه المادة الإعلامية، وهو في نظري عنوان ملتبس لا أجدني أتفق معه؛ لأنه أثار منذ البداية اشمئزازي فوجه مشاهدتي للفيديو وجهة قد لا يتفق فيها معي كثير من الناس، وخاصة منهم من غلبوا الوجدان على العقل في متابعة الفيديو. سبب اشمئزازي أن العراق أكبر من أن تختزل حضارته في سبعة عشر عامًا تحكم فيها الطائفيون في إدارة شؤونه؛ ليزرعوا ما لذ لهم من ألوان الفتن وأشكال التفتيت الممنهج للنسيج المجتمعي العراقي الذي لا ننكر أن سنوات الحروب الطويلة وسنوات حكم الراحل صدام حسين قد أثرت فيه ولكن من دون أن تمس طبعًا عراقيًا جميلاً أدرك التنوع ومارسه لينتج ما به بنيت هوية العراقي من أقاصي الشمال الكردي إلى أعمق أعماق الجنوب العربي، ومن المسلمين بمذاهبهم المتعددة إلى المسيحيين واليهود والمندائيين والصابئة وغيرهم من النحل والأديان. وحقيقة بت في شك من حقيقة ما يستهدفه كل من يرسل هذا الفيديو أو يعيد إرساله بهذا العنوان الملتبس! فهل في وجود «السني» في كربلاء شيء من الغرابة، والحال أن المدينة تقطنها نسبة محترمة من سنّة العراق وتحظى بزيارات مستمرة من أهل العراق وغير العراق من السنّة على مدار العام؟ أو هل يتعامل سكان كربلاء مع الناس بحسب أسمائهم!؟ الثابت عندي أني لا أجد في زيارة أي سني لهذه المدينة أي وجه من وجوه الغرابة في بلد يتقاسم فيه المذهبان الوجود، مثلما لا أجد أي غرابة في زيارة أي شيعي مدينة الموصل مثلاً، ثم، فضلا عن العراق، هل لنا أن ننتج في البحرين فيديو ونسميه مثلاً «سني في الماحوز»، أو «شيعي في قلالي»؟! 

 إن عناوين كهذه لا يستهدف أصحابها إلا الإثارة، فما سماه مغامرة، وما حدثنا عنه من مخاطر بددها الفيديو نفسه بحواره مع الناس جعل ملامح الدهشة لا تتعلق بمضمون السؤال وإنما بطرحه أصلا في مدينة فيها سنة يعيشون في سلام ووئام مع إخوتهم الشيعة، وفيها عمر وعثمان وأبو بكر وعائشة وما شئت من الأسماء التي جعلها الخيال الطائفي المهووس حكرا على السنة أو الشيعة وجعلوها لوحدها مجلبة لحقد طائفي قد يستهدف أصحابها. 

 العراق بلد التنوع، وبقي على مدى التاريخ بلدا للتعايش والانصهار الاجتماعي ويعد واحد من أكثر المجتمعات تداخلا في مكوناته، إن لم يكن أكثرها، ولا أعتقد أن الزيارات الداخلية، أو السياحة الداخلية للعراق تشكل جديدًا في سلوك السكان الاجتماعي. صحيح أن العراق اليوم يرزح تحت ضغط اجتماعي مرير وواقع جديد بألوان طائفية شوهت بها إيران وميليشياتها صورة العراق العظيم، إلا أن هذا الواقع ليس عراقيًا صرفًا إنه بناء خارج عن المألوف راكمته سياسات خرقاء متعاقبة منذ قدوم من أطلقوا على أنفسهم معارضة فوق الدبابات الأمريكية وهم اليوم، إن لم يكونوا جميعهم فبعضهم، يكملون على هذا البناء بدعم مذهبي من ملالي إيران الذين لم يتصوروا يومًا أن العراق سيكون تحت نفوذهم بهذه السهولة.

 العراق، صاحب البصمة الحضارية، يحتاج إلى نظام حكم عابر للطوائف، يحتاج إلى حكم وطني تنطلق رؤيته من مصلحة المجتمع العراقي بكل طوائفه ومذاهبه وأعراقه. ومن المستحيل أن يبنى العراق على الكيفية التي ترغب بها إيران وميليشياتها؛ لأنه من المجتمعات التي تستمد قوتها ومناعتها الحضارية من تعدد المذاهب فيها وتنوع الطوائف.

 ليسمح لي الشاب عمر فاروق، فأنا لم أشأ أن أشكك في مقاصده وليست كتابتي لهذا المقال تهدف إلى ذلك، ولكن مشاهدة هذا الفيديو قد، وأكرر القول، قد تعطي انطباعًا بأن الهدف منه الترويج للحكم الطائفي بالعراق وللميليشيات التي تسيطر على مفاصل الدولة، وهو استنتاج يدعمه ترويج بعض المذهبيين لهذا الفيديو بنية لا تخفى على عاقل. ثم إن الفيديو قد يعطي انطباعًا بأن الواقع الاجتماعي في العراق على أحسن ما يرام في الوقت الذي تقتل فيه الميليشيات الشيعية الوطنيين الشيعة الذي يحاربون الطائفية، وليس إيهاب الوزني أو هشام الهاشمي المغتالان غدرًا وخسّة إلا مثالاً على ضحايا السرطان الميليشياوي الذي زرعته إيران في الجسم العراقي المريض.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها