النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الفردانية سمة الإنسان المعاصر

رابط مختصر
العدد 11863 الخميس 30 سبتمبر 2021 الموافق 23 صفر 1442

سلوك الإنسان المعاصر يقلق الانسان نفسه ويحيره، وهو بالرغم من قلقه وحيرته إلا انه مواظب على سلوكه ومصرّ عليه ومسحور به، كأنه مسكون بروح توجه إرادته، مثل الاطفال الذين خرجوا من بيوتهم بعد ان دغدغت آذانهم انغام سحرية، امتزجت مع هواء القرية، من عازف الناي، المعروف بزمار هاملين، الذي اخذهم الى المجهول بعيدًا عن أهاليهم… وتقول الاسطورة ان زمار هاملين اغرى اطفال القرية بسحر الانغام التي تصاعدت من مزماره واخذهم الى داخل كهف فانطبقت عليهم المغارة وغابوا عن الانظار، وهو بهذا العمل الاجرامي كان ينتقم من أهالي القرية الذين غدروا به بعد ان انقذهم من الفئران ولم يوفوا له حقه. عادة ما تكون الاساطير اضخم من الواقع، الا ان السحر الذي يغوي انسان اليوم اضخم من سحر الاساطير. من الملاحظ ان انسان اليوم، وفي معظم جغرافية العالم، يعيش حالة من الانفراد بالذات لم يسبق لها مثيل، فهو شبه ملك او امبراطور في ذاته وعلى ذاته وفي عالم ذاته، ورغم انه يعيش في وسط جمعي في الاسرة والمجتمع والوطن، الا انه غائب منعزل عن المحيط الذي يعيش فيه، ولا يعر الآخرين ادنى لفتة او اهتمام ولا يدري ما الذي يجري حوله. لقد اخل الانسان المعاصر بمعادلة الانا والآخرين، فكفة الانا تستفرد بذاتها دون الآخرين، حتى اضحى الآخر لا وجود له في المعادلة.

هذه الحالة السلوكية التي ينفرد معها الانسان بذاته، مثل بعض الاحياء البحرية التي تعيش في قواقعها، مع ظاهرة انماط السيطرة الاجتماعية، كانت موضوع دراسات عميقة من قبل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. ضَمَّنَ اهم دراساته حول سلوكية الانسان المعاصر في كتاب تحت عنوان «مسائل في علم الاجتماع»؛ والمترجمة د.هناء صبحي تعبر في مقدمة الكتاب عن الهاجس الكبير الذي كان يستحوذ على المؤلف بقولها: «ياخذنا بورديو من خلال هذه المداخلات الى اعماق هذه العلوم ويطلعنا على اسرارها في زمن طغت فيه الفردانية والتعالي وانانية الذات على القيم الاجتماعية واصبحت بالفعل تهدد مجتمعاتنا». ان الانانية التي يتحسسها بورديو في الانسان المعاصر ليست تلك الانانية المتعالية امام الآخر، لأن هذه الانانية ترى ذاتها المتعالية امام الآخرين، بينما الذي يتحسسه بورديو هو خارج حدود تلك الانا ego، بل هي فردانية غافلة دون ارادة، هي الانا المسحورة التي تجر نفسها الى المجهول… انه نمط من انماط السيطرة الاجتماعية التي تدفع بالانسان الى الهلاك او الى اي مصير دون ارادته ولا وعيه ولا حتى احساس منه، مثل تأثير زعيم الطائفة الاسماعيلية حسن الصباح، سيد ألَموتْ، على اتباعه ومريديه الذين كانوا يلقون بانفسهم باشارة منه من قمة جبل ليلقوا حتفهم، وهم بهذه الفعلة كانوا مسحورين بزعيمهم الذي استطاع ان يجردهم من ارادتهم ويشل عقلهم ويجمد مشاعرهم… هكذا يصنف الفيلسوف وعالم الاجتماع بورديو الانسان في عصر قمة التكنولوجيا الرقمية، هذه التكنولوجيا، بفعل من يقف وراءها (سيطرة اجتماعية)، اخذت خطوة جديدة في خلق عملة مالية افتراضية اخذت تكتسح اسواق المال وتستحوذ على النفوس التي تعيش في حدود «الانفرادية».

الفردانية تجعل الإنسان يفقد بوصلة القيم، فإنه لا يرى قيمته ضمن قيم اكبر منه كفرد، فهو لا يرى ان قيمته الفردية هي من قيمة الاسرة وقيمة المجتمع وقيمة الوطن وقيمة الانسان في كليته البشرية وقيمه الانسانية. موجة الفردانية تعمي البصيرة وتستفرد بالإنسان وتعزله عن محيطه الاسري والاجتماعي والوطني وبالنتيجة تخرجه عن ملكوت «الانسانية»… البعد عن الاسرة يلبد الاحساس، والبعد عن المجتمع يشل الذهن، وهكذا يبتعد الانسان عن وطنه وعن إنسانيته يومًا بعد يوم… 

والذي عمق من هذه الفردانية هو المنتوج «التجاري» للتكنولوجيا الرقمية المتمثل في عبقرية اشغال الناس جميعًا عن الناس جميعاً بتمكين الناس جميعًا من الانفراد بجهاز في حجم الكف خفيف انيق جذاب يسمى «هاتف ذكي»… جهاز ذكي من صنع الانسان يغري نزعات الانسان ويغوي ذكاءه ويطبق على عقله ويجره الى ملكوت الغباء. الانسان مع هذا الهاتف «العبقري» أضحى عبدًا للجهاز الذي يتضمن عالمًا افتراضيًا اكثر إغراءً وجاذبية من العالم الواقعي… هذا التفاعل بين الإنسان الفرد والجهاز الذكي يضرب في عمق اللا شعور عند الانسان، هذا اللاشعور الذي يغريه الوهم ويريحه، بينما الواقع ينهكه ويقض مضجعه، وهكذا تتحقق الانفرادية بشكل أعمق، وبفاعلية ترتد سلبًا على الذات الانسانية كلها. 

ومع هذه الفردانية، التي تتخطى حدود انانية الذات وتأثيرها السلبي، بل الكارثي، على القيم الاجتماعية، فكم تبقى من القيم الإنسانية التي نفتقدها اليوم والتي كانت تزين لمّة الإنسان مع الإنسان؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها