النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

الوضع الصحي لإمبراطورية العصر

رابط مختصر
العدد 11856 الخميس 23 سبتمبر 2021 الموافق 16 صفر 1442

الامبراطوريات لها دورة حياتية مثل الدورة الحياتية للانسان الفرد. منذ أن عرف الانسان الامبراطوريات، ليست هناك امبراطورية لم تغب عنها أشعة الشمس.. كلها مرَّت بدورتها الحياتية من ولادة وحياة وفناء. ولادة وفناء، وجود وعدم، متناقضين في وحدة لا انفصام بينهما، فبين النقيضين زواج مقدس خالد أبدي.

اليوم تعيش الشعوب في موازاة امبراطورية العصر وهي الامبراطورية الامريكية، والتي خرجت من رحم حرب عالمية وتعيش على ساحات حروب وتعاني اليوم من الانهاك والمرض بفعل الطعنات من هذه الحروب، وهي ما زالت ساخنة رغم ضعف فاعليتها وارتداد تاثيرها على الامبراطورية ذاتها. تحدث كثيرون من أبناء الإمبراطورية نفسها انها تعيش اليوم أيامها الاخيرة، شأن كل حي في الوجود، فالوجود مؤقت مهما طال الزمن.

الامبراطوريات والدول شأنها شأن الانسان الفرد، ولادة ومسيرة حياة وشبه عودة الى ما قبل الولادة (الموت)، وهذه العودة هي حقيقة طبيعية مطلقة وماساة واقعية نسبية. الحديث عن الوضع الصحي لامبراطورية العصر يتم تناوله وتداوله بذهنية محصورة بعناصر السياسة والاقتصاد في معادلة الوجود، بينما للوجود معادلات عدة، ومعادلة عامة تختزل المعادلات كلها وهي معادلة «الوجود والعدم» في دورة الحياة، والتي يمكن اعتبارها «أم المعادلات» كلها.. قبل الولادة، لا وجود على الارض ولا صورة في الذاكرة، إنما عدم في عالم العدم، وبعد الولادة تأخذ الدورة الحياتية مداها وتصل منتهاها، لا وجود على الارض، ولكن تتبقى صورة في الذاكرة.. وتتدرج الذاكرة، من مجرد صورة في ذهن أفراد من الناس وتتلاشى مع غياب حَمَلَةِ الذاكرة، الى سطور في ذاكرة التاريخ تبقى بدوام الانسان وتؤول الى العدم بعد انقراض الانسان من عالم الوجود. الحياة اليوم، منذ ولادة الدول والامبراطوريات، أمام ثلاثة أنماط زمنية من الوجود والعدم.. حياة الفرد، حياة الدول والامبراطوريات، وحياة الجنس البشري، هي ثلاثة أشكال من الوجود تتدرج على ثلاثة أبعاد من الزمن.. ومعادلة الوجود والعدم بسيطة جدًا، وهي «عدم - وجود - عدم»، والعنصر المعقد في هذه المعادلة البسيطة هو الوجود، هذا الوجود الخارج من رحم العدم والعائد الى عالم العدم. معادلة الوجود والعدم، بمنظوره الفلسفي البحت خارج المنظور الطبيعي، تعرض له الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر بإسهاب وعمق في مؤلفه الكبير «الوجود والعدم»، ويربط بين الوجود والعدم عنصر الوعي، ويعتبر الوعي هو المعبر عن الوجود. «الوجود والعدم» في صورته الفلسفية هو انعكاس لـ «الوجود والعدم» في صورته الحياتية. الانسان امام حتمية لا مناص منها، وهي استحالة الخلود لجميع اشكال الوجود، كل أشكال الوجود مؤقت ينتظره العدم، وهذه ليست نظرة نسبية وانفعالية تخرج من خلجات النفس، ولكنها الحقيقة الوحيدة المطلقة في موضع الانسان بين الوجود والعدم.

التاريخ مدرسة، وأحد أهم مواضيعها «الوجود والعدم»، وهذه المدرسة تعلمنا أنه لا جدوى من الجهد البشري لتوليد امبراطوريات تستقوي على الشعوب وتتنعم بالعيش من خيراتها، وأنه من الأجدى أن يسعى الانسان الى شكل من الانظمة، الوطنية والعالمية، تمتد دورتها الحياتية مع امتداد الدورة الحياتية للبشرية كلها، وهذا هو المعنى الوجودي والوجداني للأمن العالمي والسلام بين الانسان وأخيه الانسان، وبمعنى أدق فإن التاريخ يعلمنا أن جميع الامبراطوريات، كانت وما زالت، تسير على خطى زوالها لأنها تسير على نهج مخالف لأمن العالم وسلامة الشعوب، وطبعًا امبراطورية العصر ليست استثناءً في هذا النهج من السير على البساط الامبراطوري.. الامبراطوريات هي المعاناة التي مازالت تثقل كاهل البشرية منذ ولادة أول امبراطورية.

الامبراطورية الامريكية منهكة ومريضة ينتظرها اليوم الموعود، ولكن مازال فيها بعض من الرمق.. وهذا البعض من الرمق نرجو أن تنكتم أنفاسه قبل أن تتمكن الامبراطورية المريضة من جر العالم معها الى أتون العدم.. فلا يخفى على التاريخ ولا على خبرة البشر وذاكرته أن الهالك قد يهلك الغير معه.. كل الامبراطوريات السابقة في التاريخ لم تكن تمتلك امكانات اليوم لإنهاء الجنس البشري.. أما اليوم فبمقدور الامبراطورية الآيلة الى الموت أن تجر البشرية كلها معها الى القبر الأبدي للجنس البشري.. وصرخة شمشون الجبار «عليَّ وعلى أعدائي» ما زالت تدوي في آذان التاريخ، وقد تكون لهذه الصرخة عودة ولكنها إن عادت قد تكون الصرخة اليائسة الأخيرة في جو الكرة الارضية… رحم الله شمشون الجبار الذي كان أعداؤه فريقًا من الناس، ورحمة من الله على البشرية فإن أعداء امبراطورية اليوم شعوب كثيرة، وحتى الحلفاء والاصدقاء قد يزج بهم في دائرة الاعداء عندما يصل المصير الى حافة العدم.. نرجو أن تكون البشرية حاضرة وهي تدفن امبراطورية العصر، ونرجو بعد هذا الرجاء أن يكون الزمن الآتي طاهرًا طهورًا من نجس الامبراطوريات…

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها