النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

علي بن عريك وأول مسرح متنقل أراه في حياتي

رابط مختصر
العدد 11854 الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 الموافق 14 صفر 1442

يعتبر العم علي بن عبدالرحمن بن عريك، الضلع الثالث في مثلث من عشق الفن والفرح من بعد شقيقيه محمد وعبدالرحمن، وهو أصغرهم وأقصرهم وأكثرهم سمرة وتقلبا في المزاج وغرابة في الأطوار.

يسكن علي بن عريك في بيت صغير متداخل ومفتوح على بيت شقيقيه محمد وعبدالرحمن، وتغمر روح هذا البيت أندر الأشجار المثمرة في البحرين آنذاك، كالليمون والمانجا والتمر الهندي والتفاح والبرتقال، وإن كانت المانجا وكذلك التفاح الأخضر الصغير تعاكس في الغالب حلاوتها بحمضية الليمون والترانج، إلا أن العم علي فخور بأنه تمكن من غرس هذا النوع من الأشجار الذي أثمر في بيته في الوقت الذي يرى أنه من المستحيل أن يثمر في تربة غير تربة أرض بيته.

والويل كل الويل لمن يقترب من شجيراته المثمرات الحميمات التي تشاطره وحدته وعزوبيته في البيت، إذ سيكون نصيبه الأول من الشتم (كلب بن ستعشر كلب)، وهي اللازمة الشتمية التي اعتادها أطفال الحي بالرفاع من علي بن عريك كلما حاول أحدهم استفزازه بقطف مانجا واحدة وإن كانت صغيرة بحجم الليمونة ويابسة وحامضة من حديقته. 

علي بن عريك لم أره قط في حياتي، حتى من بعد تجاوزي سن الطفولة، مبتسمًا أو ضاحكًا في وجه أحد، دائمًا عابسًا ومتجهمًا وذا وجه محايد، لا تقاسيم فيه ولا انفعال حتى في لحظات الفرح، يعيش وحده في البيت ويعد طعامه وحده وإن كان أخواه محمد وعبدالرحمن لا يقصران عنه في مثل هذا الواجب، ويقضي أمور حياته وحده وغالبا ما يكون ملازما بيته أو بقالته الصغيرة التي تحاذي شارع علي بن خليفة الرئيسي في الرفاع، هذه البقالة التي تتقدمها بضعة كراس خشبية مستطيلة والتي غالبا ما يجلس عليها بعض رجال وشباب الحي دونه، حيث يكون هو في الغالب يجلس على كرسي بلاستيكي صغير داخل دكانه وكما لو أنه يراقب من خلاله شجيراته العزيزات في بيته من جهة، ويتابع شؤون حويجاته المتواضعة في دكانه من جهة أخرى، ربما رغبة داخلية منه في إزالة العزلة التامة عن نفسه. 

الغريب في الأمر أن علي بن عريك، بالرغم من وجود هذا الدكان الذي يتطلب بطبيعة الحال مشترين وزبائن، إلا أنه لا يبيع إلا بمزاجه، حتى لو كان ما يحتاجه المشترون موجودًا لديه، ولا تعرف في حقيقة الأمر سببا لذلك، فطالما قصدناه أنا ومجموعة من الأطفال لشراء زجاجات البيبسي والحلويات، ولكن الصد لديه يسبق الرد، وحاله في ذلك حال البائع المجاور لبيتنا ناصر بن حسين رحمة الله عليه وغفرانه.

والغريب في الأمر أيضًا، أنك ترى هذا الإنسان العسر الطبع، يقصد أحيانًا الجامع المجاور لبيتنا، ويقف بعد أن تنتهي الصلاة بالقرب من بوابة الخروج من الجامع حاملاً مرشة ماء الورد ويرش منها هذا الماء المعطر في أكف ووجوه المصلين وهو يقول: في ثواب الوالد والوالدة رحمة الله عليهما، ويبدو وجهه في هذه اللحظات روحانيًا سمحًا لا تغضن ولا عبوس فيه. 

ذات يوم من أيام منتصف ستينيات القرن الماضي، وكنا أنا وصديق الطفولة سعود ابن شقيقه عبدالعزيز متوجهين إلى دكانه لشراء زجاجتي بيبسي، فإذا به يخطفنا من أيدينا ويدسنا في زحمة حويجاته في الدكان وكلينا لحظتها في حالة استغراب من تصرفه هذا، فإذا به يفتح الباب الصغير لدكانه ويدخلنا في بيته، ليرينا معمارًا مسرحيًا صغيرًا بحجم عريسين، مطليًا باللون الأزرق، ليقول لنا بلهجته المتسارعة التي تهرب منها في الغالب الكثير من الحروف والمعاني: هذا مسرحي للأعراس وقد تم تجهيزه من قبل نجار الحي في شارع علي بن خليفة، وأريدكم معي في الأفراح التي سأنقل إليها مسرحي هذا، ومهمتكم حراسة المسرح وإخباري بمن يعبث فيه أو يخدشه من أطفال الحي، ما رأيكم؟ 

فكرة جميلة استلطفناها في الحال، فهي المرة الأولى التي أرى فيها معمارًا مسرحيًا يتنقل من بيت إلى آخر للأعراس، بعدها كافأنا بزجاجتي بيبسي مجانًا دون أن يطالبنا بأجرها، ثم قال: غدًا نكون هنا، عند باب البيت المجاور للدكان. 

في اليوم الثاني، أذكر ظهرا، كنا قبل الموعد عند باب بيت العم علي، وفي لحظات انتظارنا إذا بسيارة (بيكب) عارية الظهر أعدت لنقل بعض الحاجيات المتوسطة الحجم تتوقف بجوارنا، فإذا بعلي بن عريك يخرج من البيت لاستقبالنا، وكعادته بثوبه القصير نسبيا وطاقيته الشعبية التي لم نرها كثيرًا تحتفي بالغترة البيضاء (رداء الرأس)، يدعونا لمساعدة السائق في حمل قطع المسرح الذي يتكون من قاعدة متوسطة الحجم والارتفاع، وقطعتين خشبيتين مستطيلتين وخلفية خشبية بحجم القاعدة، وعتبات خشبية لصعود ونزول العريسين، بجانب كيس كبير حشر فيه الستائر التي يحتاجها لتزيين هذا المسرح.

وبعد أن أنهينا مهمة النقل، توجه بنا السائق نحو منجرة النجار راضي، ليصعد معنا على ظهر (البيكب) عامل آسيوي لتثبيت قطع المسرح وإعدادها للزواج.

توقف بنا (البيكب) عند أحد بيوت الحي، وأنزلنا كل ما فيه من قطع وستائر، وبعدها باشرنا إعداد هذا المسرح في (ليوان) أو حوش بيت العروس، حتى اكتمل تماما، ثم قمنا بمساعدة العم علي في تثبيت الستائر الزاهية والمزركشة التي استعارها من شقيقه رحمة الله عليه عبدالرحمن بن عريك، حتى بدى المسرح جميلا ومعقولا، ثم غادرنا البيت معه، ليكن موعدنا مساء الغد. 

ويا للمفاجأة، فإذا بهذا المساء غير كل الأماسي التي شهدت فيها العم علي بن عريك، إذ كان يرتدي زيا نوبيا، ويشبه النوبيين بالضبط في هيئته، وشكله يدعوك للفرح والضحك أحيانًا، بل كثيرًا، كان يلبس جلابية نوبية أو صعيدية كريمية اللون زاهية ولامعة، ويشد وسطه بحزام أحمر عريض ويعرش رأسه بطربوش أحمر، ويمسك بيده اليمنى عصا صعيدية الشكل له بالتأكيد فيها مآرب.

تساءلت: من أين جاء علي بن عريك بهذه الأزياء؟ وما الذي جرى له كي يكون في ليلة وضحاها على غير ما اعتدنا أن نراه فيها؟ ولماذا الزفة مصرية تحديدا؟ 

قلبت هذه الأسئلة في رأسي، لأكتشف تأثير الزفة المصرية على أفكاره التي كان يشهدها في الأفلام المصرية، فكان حينها يشبه أشهر نوبي عرفته السينما المصرية منذ بدايتها، وهو عثمان عبدالباسط أو (عسمان) على الطريقة المصرية في التسمية، الذي لطالما ما أضحكنا وأحببناه في أفلام كثيرة بسبب طريقة لهجته ومواقفه والذي غالبا ما يكون بوابًا أو طباخًا.

أتساءل: كيف.. كيف؟ لمن يحب هذه الوحدة يكون في أول صفوف الفرح مع العريسين وأهلها وضيوف الفرح؟ 

وما أدهشني أكثر، أن العم علي في ليلة الزفاف التي دعانا قبلها، أنا وسعود، أن نكون من فترة الظهر بجوار المسرح نحرسه ونحميه من أي عبث، أو نخبره بمن اعتدى على هذا المسرح من الأطفال أو الكبار فترة غيابه، كان مخرجا لحفل الزفة، إذ جاء بمجموعة من الأطفال، بناتا وأولادا، ونظمهم ضمن طابورين صغيرين، يحمل بعضهم الورود البلاستيكية وبعضهم يرفع طرحة العروس التي تتدلى لطولها في الأرض، يتقدمهم هو طبعًا، وعيناه في المسرح الذي أعده أكثر من عيونه على الحفل ذاته، مصحوبون طبعا بأغنية (الدزه) الشعبية المعروفة لحظة دخول العريسين موقع الحفل، حتى يستقر بالعريسين المقام على الكرسيين المجهزين لحفل الزواج.

ونكون نحن وهو طبعا موجودا بجانب مسرحه، مشيحا بعصاه بعض الأحيان نحو الأطفال الذين يقتربون من المسرح، حتى وإن كانوا من أهل العريسين، وتخشى وأنت تراه أن يفقد العم علي صوابه في لحظة ما ويعود للازمته الشتمية المعروفة (كلب ابن ستعشر كلب)، خاصة بعد أن يغادر العريسان المسرح، وتصبح الكراسي والجوانب متاحة للأطفال خاصة.

هنا لا ينتظر العم علي إذنا من أحد، إذ تراه فجأة بخروج العريسين، يصعد هو المسرح ويجلس على الكرسي، والعصا بيده يشيح بها من هنا وهناك، وكما لو أنه أحد الأطفال أنفسهم في عبثه واضطراب سلوكه وتصرفه. 

وأزعم أنني أرى أول معمار مسرحي خشبي متنقل في حياتي، وأرى أول ممثل نوبي، وهو العم علي، يقود هذه الزفة، التي تكررت مثلها فيما بعد بمسرحه المتنقل هذا، وأصبح المسرح هذا حياته كلها، خاصة وأنه المسرح الوحيد المتنقل آنذاك في الرفاع، كما استلطف أهل الرفاع كاركتر علي بن عريك النوبي وقامته القصيرة التي استعارت في ليلة وضحاها شخصية النوبي المصري، وصار بعدها العم علي في حد ذاته حالة درامية غريبة في الحي. 

هذا الإنسان التي انتقلت به الزفة المصرية ومسرحها من حالة الحزن والتجهم والعبوس والوحدة، على حالة الفرح ومشاركة الآخرين بمسرحه وبزفته أفراحهم، يموت غريبا في بيته، فبعد أن قصده بعض أهل الفرح وطرقوا الباب عليه ولم يفتحه، وكرروا الحضور والطرق ولم يفتح، واستغربوا أن دكانه لمدة أيام لم يفتحه للناس والمشترين، استغربوا من الأمر، وبمساعدة شقيقيه عبدالرحمن ومحمد، فتحوا الباب ليروه ساقطا على وجهه وبعض دم متجمد قد طلى وجهه وأنفه خاصة، وقد فارقت روحه الحياة.

ومن يومها عاشت الأعراس في حيّنا دون مسرحه ودونه حزينة كئيبة، وعادت إلى ساحاتها الاعتيادية التي تتكيء بعض أفراحها على قاعدته الخشبية التي يقف عليها مسرحه الفريد في حينها، وأصبحنا أنا وسعود بانتظار دعوته لنا لمساعدته في نصب مسرحه في بيت قد يعمه الفرح بعد قليل، وفرحنا بأن نتقاضى منه بعد كل وجبة فرح، أجرًا نحشره في جيب بائع آخر كي نحظى بزجاجة بيبسي وكعكة صغيرة أو كباب بحريني شعبي ساخن مع الجاباتي الهندي، لأن العم علي لم يعد حافلا بدكانه كاهتمامه بمسرحه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها