النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

بصمتهم يتكلمون..!

رابط مختصر
العدد 11854 الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 الموافق 14 صفر 1442

في الصمت قيل الكثير.. 

قيل بأنه العلم الأصعب من علم الكلام، وقيل بأنه قوة لا يستهان بها، وقيل بأن هناك كلامًا لا يقول شيئًا، وهناك صمت يقول كل شيء، كما قيل بأن الصمت فن، وإذا كنت فنانًا في صمتك، أصبحت مبدعًا فى كلامك، وقيل بأن بعض الصمت ألم وبعض الألم صمت، وبعض الصمت قوة، وقيل بأن الصمت من الكنوز الكبيرة التي يتجاهلها الناس، وهناك من ذهب الى أن الصمت من أقوى لغات العالم..! 

وفي نفس السياق تقريبًا قيل بأن الصمت هو المحاولة الأخيرة للذين لا يفهمون الكلام، وإن هناك كلامًا لا يقول شيئًا والصمت يقول كل شيء، وإن الصمت فن في زمن الثرثرة، وهناك من اعتبر الصمت بأنه أرقى وسيلة للرد على كثير من الكلام، وقد يكون أكبر صرخة داخلية معبرة عن مشكلة ما..!

وهناك من اعتبر الصمت درسًا مفيدًا أحيانًا لتعليم بعض البشر أدب الحوار..! وهناك من رأى بأن هناك أمور لا يمكن التعبير عنها إلا بالصمت، ولأن هناك من يتقنه فإنه يحمّل وزر النوايا، وهناك من رأى في الصمت بأنه يكون أحيانًا أفضل إجابة رائعة، وأحيانًا يكون قمة الذكاء، وأحيانًا يكون مبعث هيبة، وأحيانًا مبعث ريبة..!

والصمت أنواع، صمت يعبِّر عن الحكمة وقمة البلاغة، وصمت يعبِّر عن الاحترام، وصمت موصل للمشاعر، وصمت معبِّر عن الحزن والاستياء، وآخر يعبِّر عن اللامبالاة، وهناك صمت يعبِّر عن قهر، وصمت يعبِّر عن عدم دراية او فهم، وصمت أنيق، لا يسمح لنا بالبوح مهما كان الألم كبيرًا، وهناك صمت واجب، وآخر إجباري، وأخيرًا صمت طبيعي فطري في بعض الأشخاص، بطبيعتهم لا يتحدثون كثيرًا، واأخيرًا هناك صمت فاجر، ملتبس ومتواطئ وبغيض..! 

فى كتابه «الصمت.. لغة المعنى والوجود» يقول كاتبه دافيد لوبروطون «إن الصمت أمر عصي على التفكير والتنظير، وهو حالة اشكالية وموضوع يمكن اعتباره أمرًا محيّرًا لأنه يخترق حياتنا ويثير فينا من المخاوف ومن الرعب ما يحطم ثوابت هشة»، ويقول أحد علماء النفس «إن الصمت هو أشد مراحل الانفعال، وإن أكثر اللحظات التي لا نجد فيها ما نقوله من كلمات هي اللحظات التي يصل انفعالنا فيها الى ذروة الصمت»، وغسان كنفاني قال «بأن للصمت قبول بعد أن تعبنا من التفسير».!

نتحدث عن الصمت والصامتين لأكثر من سبب، ربما لأننا وجدنا كثر ممن يعشقون الكلام، يفتون، يناورون، ويلعبون على جميع الأوتار، ويمشون على كل الحبال، ومنهم من يلجأ الى أحط فنون النفاق، وأكثرها مثارًا للسخرية والاستياء، ومنهم من يصر على تضخيم نفسه وكأنه عبقري ونافذ البصيرة والحكمة والعلم، ومنهم من يظهر نفسه وكأنه عليم ببواطن الأمور ولا تخفى عليه خافية، وما من أمر او ملف او قضية إلا وقد أحاط بها، ويفتي بغير علم في كل شيء، ومنهم من يدافع عن الشيء ونقيضه، تحركه الأهواء وغير الأهواء وماهر في ترويج الأكاذيب باعتبارها مسلّمات والمفارقة حين يصر على أنه لا يقول إلا ما يرضي ضميره، فيما هو ينتظر من يدفع الثمن ويرد اليه الجميل، هؤلاء نتمنى أن يصمتوا، ونتمنى لهم كل التوفيق في امتلاك مهارة الصمت..!

إلى جانب ذلك وجدنا كثر ممن تعودوا الثرثرة في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، يلعبون دور النجوم، يثرثرون على الانترنت دون ضوابط، ينشرون إشاعات، او يلفقون أخبارًا لغرض ما، او يرددون كلامًا لا أساس له، او يظللون بالانتقائية المتحيزة، ينتقون بعض الكلمات والحقائق والاقتباسات يحرفونها كيفما شاءوا، يتوهمون أن «جعجعاتهم» انتصارات وبطولات عامة، هؤلاء عليهم أن يصمتوا، فصمتهم خدمة جليلة للناس وللوطن..!!

يلفت النظر طالما الحديث عن الصمت والصامتين أولئك النواب الذين لم يسمع لهم حتى الآن أي صوت تحت قبة البرلمان، الى درجة أن بعضهم تصدروا بصمتهم القائمة فى بعض الاستبيانات ذات الصلة بأداء النواب، ووجدنا أحدهم وهو يفوز بالمركز الأول كأكثر النواب صمتًا، هؤلاء النواب لا نعلم حقاً اذا كان لصمتهم حكمة، ولباس الحكمة عندهم يستلزم صمتًا أكثر مما يستلزم الكلام، او أنهم يؤمنون بأن صمتهم أعلى من الكلام، او هو وجه من وجوه الكلام، وربما إمكانياتهم جعلتهم لا يملكون سوى نوعين من الكلام، إما (كلام فارغ) وإما (كلام مشحون كلام فارغ)، ولذلك يؤثرون الصمت، الصمت المطبق..!!

لا يغيب عن البال ايضًا، جوقة من المذيعين والمذيعات في بعض القنوات الفضائية العربية ممن لا يعرفون إلا الضجيج، لهم إسهامات فاعلة في نشر البذاءة والسب والقذف والتشهير، حوّلوا منابرهم الى أدوات لاستباحة من يخالفهم في الرأي او الموقف ومحاولة اغتيالهم معنويًا، وساهموا في تشويه وتزييف الرأي العام حول قضايا وملفات عديدة، استسهلوا قوالب الكلام، هم المذيعون، وهم السائلون، وهم المجيبون، وهم المعقبون، وهم المعترضون، يظهرون وكأنهم يملكون اليقين في كل أمر، ويحتكرون الصواب فى كل شأن، يثيرون السجالات ويختلقون المعارك الوهمية، المآرب عندهم مكدسة على كل الجبهات، هؤلاء ومن على شاكلتهم من الذين نتمنى صمتهم..!

في الحديث عن الصمت والصامتين لا يغيب عن بالنا البعض ممن يظهرون أنفسهم كما لو أن لديهم جرعة زائدة من الوطنية، يتقنون الحديث عن حب الوطن والمصلحة الوطنية، ويظهرون كما لو أنهم يحتكرون الوطنية ويوزعون صكوكها، فيما هم يباشرون اللعب على الأوتار التي تشحن وتحرّض وتؤزم وتوغر الصدور وتثير الأحقاد، ويصدرون أصواتًا بغيضة جدًا تتجاوز حدود الاعتدال، هؤلاء آن لهم أن يصمتوا صمت أبي الهول..!

مقابل كل ذلك علينا أن ننتبه الى أن هناك من يفترض ألا يصمتوا، بل من واجبهم ألا يصمتوا، كثير من المشاكل تتوالد وتتفاقم بسبب هذا الصمت، هؤلاء عليهم أن يكونوا في صدارة من يتصدون بجرأة لأي شائنة ومسيئة وكل ما يريد بنا أن نوغل في مسالك الخطأ، يغتالون الوطن بصمتهم، صمتهم عار وفادح ومفجع ومؤلم ومحزن ومستهجن، لهؤلاء نقول، أين أنتم، أسمعونا صوتكم، وبأعلى صوت من دون انقطاع..!

فلنصغِ الى الصامتين وما أكثرهم، ومن لا يفهم لغتهم ليدرب نفسه على الإصغاء إليهم..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها