النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

أمريكا تتغير...

رابط مختصر
العدد 11853 الإثنين 20 سبتمبر 2021 الموافق 13 صفر 1442

 رغم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الولايات المتحدة للحفاظ على مركز الريادة في العالم واستمرارها القوة العظمى الأولى، إلا أنني أصبحت أشك بأن هناك من يملك المعطيات والدلائل التي بها يستطيع أن يجادل وينقض حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت هي القوة الاقتصادية والصناعية والعلمية والمالية والعسكرية والتقنية، والديمقراطية الأولى التي تتصدر دول العالم، شرقه وغربه، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن؟ نعم، رغم كل التحديات إلا أن هذا الواقع، في رأيي، لن يشهد تغيرًا جوهريًا في غضون العقد القادم - وربما العقود القادمة أيضًا - رغم عنفوان التحولات الاقتصادية التي نعيش على إيقاعها منذ بداية هذه الألفية الجديدة، ورغم الثورة الصناعية الرابعة التي أتاحت لعدد من القوى الصاعدة أن تكون صاحبة تأثير في مجريات السياسة الدولية، ورغم تمكن عدد آخر من الدول على الدخول في سباق التكنولوجيات الجديدة والتسلح العسكري مثل الهند والصين الشعبية. وعلى الرغم من أني من أشد المؤمنين - بحكم دروس التاريخ - بأن ميزان القوى في العالم يشهد على الدوام صعود قوى وهبوط أخرى لأسباب متنوعة، وهذا من طبائع الأمور لأنه نتيجة حتمية لتغير المعطيات وتغير الفاعلين في إيقاع دورة الزمن لمواصلة كتابة التاريخ.

   يمكن أن نقبل الرأي القائل بأن الولايات المتحدة تقاوم اليوم محاولة إزاحتها من أن تحتل مركز القوة العالمية الأولى، وأنها تحارب الدول الكبرى وبالأخص الصين أولاً وروسيا ثانيًا على كل مستوى من المستويات التي تمكنها من الاحتفاظ بمركزها العالمي؛ لمنطقية هذا الرأي وعدم مجانبته الصواب خاصة في ظل الحقيقة الشاخصة أمامنا والمتمثلة في حشد أمريكا طاقاتها وتغييرها استراتيجيتها وبحثها عن تحالفات جديدة لمواجهة الجبار الاقتصادي الصيني، والدليل الراهن على ذلك كان في الأيام القليلة الماضية عندما أقامت تحالفًا جديدًا في المحيط الهادي ضم إلى جانبها بريطانيا وأستراليا؛ لصناعة غواصات نووية وتستأثر بهذه الصفقة التي تتجاوز أبعادها منطق الربح الاقتصادي لأنها ببساطة صفقة تموقع استراتيجي في مواجهة المارد الصيني، وهذا ما أغضب فرنسا إلى حد استدعاء سفيرها في واشنطن، وهو ما يتم لأول مرة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية الأمريكية الفرنسية التي يشهد على عراقتها إهداء فرنسا الولايات المتحدة عام 1886 تمثال الحرية الذي يعد رمزًا من رموز دولة العم سام. ورغم السعي الملحوظ للصين لتكون ندًا اقتصاديًا وعلميًا وعسكريًا وسياسيًا للمارد الأمريكي، إلا أن ذلك لا يجعلنا نطمئن للأهواء التي تظهر بين الفينة والأخرة لتحدثنا عن تقهقر أو تراجع أمريكي، فلا أحد يملك المعطيات الداحضة للهوى القائل إن الولايات المتحدة لم تعد القوة الأعظم على وجه الأرض، فحتى إيران في وصفها السلبي لأمريكا تعترف بأنها ليست شيطانًا فحسب وإنما هي الشيطان الأكبر!

   لا نقول ذلك مدحًا للقوة الأمريكية، والتي غالبًا ما توظف معطيات هذه القوة ونتائجها وخصوصًا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 في خدمة مصالحها حتى لو كانت شرًا على شعوب أخرى مثلما حدث في العراق وأفغانستان، ولكننا نسجل هذا المعطى لنقول بعده إن الولايات المتحدة لم تعد مثل الأمس حليفًا صادقًا صدوقًا، وصديقًا يمكن أن يُعول عليه في النائبات، أو للوقوف في وجه ما ابتنته بعض الدول وخاصة منها إيران من عداوات خارجية تحت غطاء إيديولوجي عقدي بائس اسمه تصدير الثورة واستعادة الأمجاد الشاهنشاهية القديمة لكن بعباءة آيات الله. نعم إن أمريكا صديقة قديمة لدول مجلس التعاون، ولكن صداقتها غير دائمة رغم بقاء هذا الصديق متسيدًا المشهد الدولي لعقود قادمة. أقول هذا بناء على ما تشهده علاقات هذه الدولة مع المملكة العربية السعودية من تطورات غريبة رغم الحلف الاستراتيجي والتاريخي الجامع بين الدولتين.

   الولايات المتحدة اختبرت صبر السعودية في كيل الإتهامات لها، في حقوق الإنسان، وقضية خاشقجي والحبري وفي ترويجها الإعلامي المبتز للسعودية وربطها بإرهاب البرجين وغيرها حتى ليبدو لك أن تقديم أفغانستان لطالبان على طبق من ذهب يمثل روح حقوق الإنسان في السياسة الأمريكية! ومن جانب آخر، فإن المملكة العربية السعودية أعطت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الفرصة تلو الأخرى لإظهار حسن النوايا. النتيجة أن المملكة العربية السعودية أخذت قرارها للحفاظ على أن وسلامة البلاد فاتجهت شرقًا لتوفير ضمان الحفاظ على هذا الأمن. فما كان من الولايات المتحدة إلا أن تراجعت وقدمت مصالح الشعب الأمريكي وقررت قبل أيام إعادة بيع السلاح إلى السعودية من جديد. 

   المملكة العربية السعودية، شاء من شاء وأبى من أبى، دولة عظمى في قراراتها وفي مبادراتها في إدارة سياستها الخارجية بالحكمة المطلوبة وفي تبوئها مشهد الدول الإسلامية وفي استعدادها الدائم لتسخير كل إمكاناتها في خدمة الدول العربية والإسلامية، وعظمة هذه الدولة تمتد إلى أبعد من محيطها، ولهذا فإنها لا تنتظر من الولايات المتحدة أن تقرر التراجع عن نهجها المتهاون حد مهادنة إيران. فقرار المملكة التوجه شرقا إلى الصين وروسيا هو فهم لمعطيات الواقع المتغير، وتعبير عن فصاحة سياسة نابعة من مصلحة سعودية خليجية عربية إسلامية، وتجسيد لأبسط مبادئ السيادة التي تجعل كل دولة تحترم اسمها وشعبها وتاريخها حرة في اختيار حلفائها الظرفيين والاستراتيجيين حفظا لمصالحها.

   أمريكا تتغير وهذا كاف ليدعونا نحن إلى أن نتغير، فلا حاجة بنا إلى خلق عداوات على مستوى السياسات الخارجية مثلما فعلت وتفعل بعض الدول الفاشلة التي بقيت أسيرة شعارات إيديولوجية أكل عليها الدهر وشرب، فنحن بدلاً من ذلك نحتاج إلى خلق تواصل إيجابي مع مختلف القوى العالمية المؤمنة بالسلام وبأن قوة الدول لا يبنيها امتلاكها السلاح النووي لتشهره في وجوه جيرانها مهددة كإيران؛ لأن العالم أجمل من دون سياسات حمقاء تسيرها الأحقاد والأهواء، وأكثر جمالاً إذا ما نجحت قوى السلام في تخليص العالم من العربدة النووية الإيرانية، وشخصيًا لا أرى أن أمريكا «بايدن» جادة بما فيه الكفاية في محاولات وقف مسعى إيران للحصول على السلاح النووي، ولذلك فمحيط تحالفاتنا قد يكون أحلى وأبهى وأكثر فاعلية بقوى أخرى من خارج منطق التردد الأمريكي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها