النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

لا تقول فول حتى يصير بالمكيول

رابط مختصر
العدد 11851 السبت 18 سبتمبر 2021 الموافق 11 صفر 1442

يصفني العديد من الأصدقاء بأني «الرجل ذو اليد الذهبية»، قاصدين من وراء ذلك أنني عندما أضع يدي في مشروع فإنه لا بد أن يرى النجاح، لكن ما يدركونه أو لا يدركونه فعليًا هو حجم العمل والجهد الذي أبذله من أجل تحقيق هذا النجاح. فأنا في الواقع لا أعتقد أن هناك يدًا خُلِقت ذهبية، بل هناك يد أصحبت ذهبية لأنها تعمل بجد، وأخرى برونزية أو نحاسبة تعمل نصف عمل، وثالثة خارج التصنيف؛ لأنها يائسة حائرة مترددة مرتجفة مكبَّلة لا تعمل إطلاقًا.

النجاح هو ذروة جبل الجليد التي يراها الجميع، فيما لا يرى الكثيرون منهم أن هذه الذروة ترتكز على أضعاف أضعاف حجمها التي يغمرها الماء، وهكذا هو النجاح، مجهود مضنٍ وسهر وقلق ومحاولات متكررة غير موفقة أو غير مكتملة قبل الوصول إلى انبلاج الصبح يصحى الجميع ليرونه فجأة.

ورغم أني رجل متفائل بطبعي، إلا أني ميّال للتفاؤل الحذر، التفاؤل المبني على العمل، التفاؤل الذي يتطلب المرونة في الوصول إلى الأهداف، التفاؤل الذي يتقبل الانكسار مرة واثنتين وثلاثة والنهوض في كل مرة أقوى، والاستفادة من التجارب، وإبقاء الأعين مفتوحة على اتساعها على أية فرص كامنة هنا أو هناك.

لكني في الواقع أنا أرى العديد من أصدقائي ينجرفون خلف التفاؤل غير المبني على أسس صحيحة، التفاؤل الذي يشبه اليانصيب: إما تصيب وإما تخيب، وهو ما يجعل مشاريعهم أقرب إلى الحلم، وربما إلى الوهم. لقد فهموا ريادة الأعمال والمغامرة والمجازفة على أنها قفزة من أعلى جبل نحو الغيوم دون امتلاك أدوات طيران وهبوط ملائمة، لذلك لا تكون نهايتهم مع الأسف أفضل من نهاية عباس بن فرناس الذي طار لأمتار قليلة قبل أن يقع وكاد يفقد حياته.

وأرى أن بعضهم يخلط بين الحلم والهدف، فالحلم ضروري لتحريك الخيال وتنفيذ مشاريع مبتكرة بطريقة غير تقليدية، والإنسان الأقدر على الحلم والتخيل أقدر على الخلق والإبداع وتغيير الواقع الذي نعيشه نحو الأفضل، لكن الحلم يبقى حلمًا بعيد المنال إلا في حالة واحدة، وهو أن يتم تحويله إلى هدف، والهدف لا يمكن تحقيقه دون خطة عمل واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ والقياس والتقويم والتصويب.

المثل الشعبي يقول: «لا تقول فول حتى يصير في المكيول»، بمعنى لا تستبق إعلان النتائج حتى لو كان السباق في الأمتار الأخيرة، وفي تراثنا قصة بعنوان «الراعي وجرة السمن»، وقد تكون «الأعرابي وجرة العسل»، وأصل القصة جاء من كتاب «كليلة ودمنة - باب الناسك وابن عرس» لابن المقفع، والذي ترجمه من كتاب للفيلسوف الهندي بيدبا.

تقول القصة: «زعموا أن ناسكًا كان يجري عليه من بيت رجل تاجر في كل يوم رزق من السمن والعسل، وكان يأكل منه قوته وحاجته، ويرفع الباقي، ويجعله في جرة فيعلقها في وتد في ناحية البيت، حتى امتلأت، فبينما الناسك ذات يوم مستلق على ظهره، والعكازة في يده، والجرة معلقة فوق رأسه، تفكَّر في غلاء السمن والعسل، فقال: سأبيع ما في هذه الجرة بدينار، وأشتري به عشرة أعنز، فيحلبن ويلدن في كل خمسة أشهر بطنًا، ولا تلبث إلا قليلاً حتى تصير عنزاً كثيرة إذا ولدت أولادها. ثم حرَّر على هذا النحو بسنين، فوجد ذلك أكثر من أربعمئة عنز. فقال: أنا أشتري بها مئة من البقر، فلا يأتي عليَّ خمس سنين إلا وقد أصبت من الزرع مالاً كثيراً، فأبني بيتاً فاخراً، وأشتري إماءً، وعبيداً، وأتزوج امرأة جميلة ذات حسن، ثم تأتي بغلام فإذا ترعرع أدَّبته، وأحسنت تأديبه، فإن يقبل مني، وإلا ضربته بهذه العكازة، وأشار بيده إلى الجرة فكسرها، وسال ما فيها على وجهه». يقول راو في نهاية القصة «فانسكبت أحلامه الهلامية معه، وبات نادماً حزيناً كأن لم يغن بالأمس»، وآخر يقول «هذا جزاء من يصغي إلى تخيلاته».

يقول جبران خليل جبران: «لا توجد مصاعد الى النجاح وإنما هناك درجات»، وأحب تعريف النجاح على أنه ليس القفز في الهواء نحو الهدف، بل التحقيق المتدرج لهدف ذي قيمة، والشخص الذي يقول لنفسه «سأصبح كذا أو كذا» ويسعى كل صباح جاهدا لتحقيق ذلك، والنجاح هو معلم المدرسة الذي يعلّم فيها لأن هذا هو المكان والعمل الذي يريد القيام به، والنجاح هو المرأة التي هي زوجة وأم لأنها تريد أن تصبح زوجة وأما وتقوم به على أكمل وجه، والنجاح هو رجل يدير محطة وقود لأن ذلك كان حلمه وما كان يريد القيام به، والنجاح هو البائع الذي أراد أن يصبح البائع الأول في منظمته، والنجاح هو أي شخص يفعل عن قناعة وشغف وظيفة محددة سلفا لأن هذا هو ما قرره عمدا، ولكن واحدا فقط من أصل 20 يفعل ذلك.

هل تعرف أن الأسد لا ينجح في الصيد إلّا في ربع محاولاته؟ أي أنه يفشل في 75% من محاولاته وينجح في 25% منها فقط؟! ورغم هذه النسبة الضئيلة التي تشاركه فيها معظم الضواري إلّا أنه يستحيل على الأسد أن ييأس من محاولات المطاردة والصيد. والسبب الرئيسي في ذلك ليس الجوع كما قد يظن البعض، إنما هو استيعاب الحيوانات لقانون «الجهود المهدورة حتما»، وهو القانون الذي تعمل به الطبيعة كلها، فنصف بيوض الأسماك يتم التهامها، ونصف مواليد الدببة تموت قبل البلوغ، ومعظم أمطار العالم تهطل في المحيطات. ومعظم بذور الأشجار تأكلها العصافير.

حتى أننا عندما كنا أطفالاً تعلمنا المشي بعد سقطات كثيرة، كنا في كل مرة نبلغ دموعنا وننهض مجددا ضاحكين حتى أتقنا المشي، ولم نطلب من أمهاتنا أن يضمن لنا أننا لن نقع قبل أن نقوم بالمشي، لكن عندما يكبر الإنسان يرفض هذا القانون الطبيعي الكوني ويعتبر أن عدم نجاحه في بضع محاولات يجعل منه إنسانا فاشلاً، لكن الحقيقة هي أن الفشل الوحيد هو «التوقف عن المحاولة»، والنجاح ليس أن يكون لديك سيرة حياة خالية من العثرات والسقطات، بل النجاح هو أن تمشي فوق أخطائك وتتخطى كل مرحلة ذهبت جهودك فيها هدرًا وتتطلع الى المرحلة المقبلة.

ولو كان هنالك من كلمة تلخص هذه الدنيا فستكون بكل بساطة: «استمر»، لذلك وضعت عنوانا لكتابي الذي أصدرته مؤخرا عن سيرة حياتي «لم انتهِ».

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها