النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

أي سر فيك أو وراءك يا أيها الوباء ؟!!!

رابط مختصر
العدد 11849 الخميس 16 سبتمبر 2021 الموافق 9 صفر 1442

«كوفيد-19» الذي طاب له المقام بيننا ليس كبقية الاوبئة السابقة، المسطورة في التاريخ، اذ ان هذا الوباء قد أثار لغطًا وجدالاً وشكوكًا لم تكن من نصيب الاوبئة السابقة.. فهناك سر في هذا الوباء الجديد، ومعظم الاسرار حمالة للاسباب او الاغراض المبطنة، فاذا قيل ان في الامر سر، فإنه اشارة الى غموض الامر او القضية، وإن وراء الغموض سر، والسر صندوق مغلق لا بد من فتحه لكشف ما فيه من الاسرار حتى تنقشع غيوم الشك. فأي سر فيك يا وباء؟! لا أحد يدري، كل ما فيك من الاسرار يشقي (مع الاعتذار للشاعر ابراهيم ناجي صاحب القصيدة التي مطلعها «أي سر فيك إني لست أدري كل ما فيك من الاسرار يغري»)… نحن امام سر باعث على الشقاء، بينما الشاعر ناجي كان امام سر نابع من جمال يبهر العيون، اما نحن أمام سر لا تبصره العيون ولا تطمئن له النفوس ولا تدركه العقول، خاصة وإننا نواجه وباءً لم يسبق له مثيل… سر باعث على الحيرة والغضب واليأس، وليس بالسر النابع من الحسن والجمال، فالناس امام سر يُشْقِي شقاء الفكر وشقاء النفس وشقاء الروح والخوف على المصير، ولا أحد يدري أي سر فيك… انت السر واللغز، وشعوب العالم حائرة تتلفت يمنة وشمالاً… أنحنُ امام وباء من رحم الطبيعة، ام نحن ضحايا مؤامرة سياسية كبرى من رحم مختبر بيولوجي لاغراض عسكرية، هي جزء من صراع الكبار، الناس بين شك مؤكد ويقين مشوب بغمامة شك، وانصياع مستسلم لواقع الأمر… وهذه الوقفات من الناس، رغم اختلافها، الا انها كلها تشير الى غياب اليقين والمصداقية، فالناس في حيرة بين شك ويقين، وغيوم الشك تغطي وتخفي جبل اليقين.

إن الذي جعل من هذا الوباء سرًا هو التجاذب السياسي بين الدول الكبرى في امره، والتسابق والتنافس التجاري في امر انتاج لقاح، مدر للارباح في المقام الاول، وفي المقام الثاني قد يهم في تعزيز المناعة ضد فاعلية الوباء، بين المقام الاول والمقام الثاني تكمن قاعدة «الأهم والمهم». الناس، بين السياسة والمال، بين السيادة و الربح، بين السياسي ورجل الاعمال، اصبحوا في ولوال، و تحرك الشك فيهم في هوية هذا الوباء وطبيعته!!

لأن في هذا الوباء سر، والسر يتراقص بين ارادة الطبيعة وحماقة الانسان، فإن الناس في مفترق طريق، فمن الناس من سلم الامر مصدقًا لما تقوله وتمليه المؤسسات الرسمية وأقنعت نفسها بطبيعية الوباء، وجماعة على النقيض رفعت لواء المعارضة ضد جميع التفسيرات الرسمية ورأت في الوباء مؤامرة الانسان ضد الانسان، والناس فيما يرون بصائر وفيما يعتقدون مذاهب… مؤشرات الشك تفوق مؤشرات اليقين، والفضل يعود الى نخبة السياسة ونخبة المال والاعمال… تجاذبات سياسية ومنافسات تجارية (اقتصادية)، وغياب شبه كامل لما يقتضيه، الامر من ضرورة التعاون والتآزر في وجه خطر يعم جغرافية العالم كله لا يميز بين قلة من دول كبرى وكثرة من دول تصنف بالعالم الثالث و الخامس، فالخطر يشمل البشرية كلها. العدو مشترك، الجهود مشتتة، بل ان بعض الجهود تميل الى استثمار الوباء سياسيًا وتجاريًا… هذه اقصى درجة الحماقة التي عرفها الانسان منذ ان اكتشف الانسان ذاته الواعية.

من طبيعة الكوارث انها تجمع الشمل المشتت، وتعيد اللحمة بين الناس، وحتى بين الاعداء، لمواجهة العدو (الوباء) المشترك… وعندما ينتشر الوباء على العالم اجمع وتئن جميع الشعوب من آثاره وتبعاته المدمرة للصحة وعلى الصحة فإن من المقتضيات العملية ومن موقع طبيعة الامور ان تتكاتف الشعوب وتتعاون الدول لمواجهة وباء مشترك حفاظًا على المصير المشترك، بغض النظر عن الاختلافات في الانظمة والخلافات السياسية والتنوعات الثقافية… بينما السيد او السيدة كورونا (لا علم لنا بنوع الجنس) قد شتت الناس مذاهب وفرق بدل ان يجمعهم ويلم شملهم في لحمة بشرية واحدة ضد عدو مشترك للبشرية…

الشعوب التي تمرح تحت سماء الديمقراطية وحيث ابواب الحرية مفتوحة على مصراعيها، هي التي تجرأت واثارت الشك و اطلقت صرخة الرفض للتفسيرات الرسمية وقاومت الاجراءات الوقائية… فهذه اوروبا ومعها امريكا تتصدى لجميع التفسيرات الرسمية وتتحدى الاجراءات وتقول بملئ فمها ان وراء الامر مؤامرة، وحتى ان البعض قد شكك في وجود وباء وأن الامر لا يعدوا كونه لعبة سياسية - عسكرية خبيثة. مظاهرات جماهيرية تعم اوروبا وأمريكا واستراليا و دول ديمقراطية اخرى، وهي غير ملتزمة لا بالكمامات ولا التباعد، بل ان شعاراتهم اقرب الى الشعارات الثورية مثل: «حرية» و«تسقط الديكتاتورية» و«لا للشهادة الصحية»، والايطاليون امام كاتدرائية ميلانو رفعوا لافتة كتب عليها: «الأفضل أن نموت أحرارًا على أن نعيش مثل العبيد»، فيما كُتب على لافتة أخرى في وسط روما التاريخي «اللقاحات تحرّرك». اما في بقية الدول، غير الديمقراطية و أشباه الديمقراطية، فان الهمس عندهم قد صار صوتاً ناطقاً يطغى على الكلام المسموع، وهذا الهمس يدب بين الناس دبيب النحل.

التظاهرات الاحتجاجية وشبه الثورية، والهمسات هنا وهناك، قد ازاحت جزءًا من الستار عن السر الكبير الكامن في احشاء الوباء، او وراء الوباء، وكشفت عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على مستوى العالم كله، انطلاقًا من الاصوات الغاضبة الناطقة في الديمقراطيات والتي اثرت في بقية الشعوب التي تعبر عن آرائها ومواقفها بالهمس واللمز.

«كوفيد-19»، أكان من رحم الطبيعة او من حماقة الانسان، فإنه قد كشف عن قضية كبيرة، وهو السر الاكبر.. مع انعطافنا في القرن الواحد والعشرين ينكشف غطاء السر عن حقيقة مروعة وهي ان الديمقراطيات ذاتها تعيش حالة من التباعد المتواصل، من عدم الثقة وفقدان المصداقية، بين النخبة الحاكمة المنتخبة والجماهير التي اوصلت هذه النخبة الى كراسي السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية. إذا صار للانسان حظ ان يحافظ على وجود التاريخ وحضوره، فإن التاريخ حينها سوف يذكرنا ويعلمنا ان وباء الطبيعة ارحم على الانسان من حماقة الانسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها