النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11854 الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 الموافق 14 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الديمقراطية في يومها العالمي..!

رابط مختصر
العدد 11847 الثلاثاء 14 سبتمبر 2021 الموافق 7 صفر 1442

مسكينة هي الديمقراطية، كم من الموبقات والجرائم والانتهاكات ترتكب باسمها إلى الحد التي جعلوا حالها بلا خجل ولا وجل كالديكتاتورية، أو أي شيء بهذا المعنى، وقمة المأساة حين نجد من هؤلاء من يجد أنه يمارس الديمقراطية على هواه، أو يتبع خريطة طريق نحوها، ويظهر نفسه وكأنه الأدرى بشعابها، ويرفض أن يتقبل دروسًا في الديمقراطية، والمفارقة أن نجد من امتلك الجرأة والوقاحة معًا وبات يوزع شهادات حسن سلوك ديمقراطية دون أدنى اهتمام بسهولة إمكانية تعرية كذبتهم عن الديمقراطية..!

كم مرة، وكم مناسبة، وكم مؤتمرًا، وكم.. وكم جرى فيها استهلاك لفظة الديمقراطية بشكل منزوع من الدسم او الصدقية، وابتذلت الكلمة الى الحد الذي لم تعد تحمل أي معنى من المعاني الحقيقية للديمقراطية، ولم يكن غريبًا أن يذهب البعض إلى تسميتها بديمقراطية الواجهة، في الوقت الذي ذهب فيه المفكر وعالم الاجتماع المغربي الهادي المنجرة الى وصفها بـ«الذليقراطية» من منطلق أن هناك في عالمنا العربي من أوصل بها الديمقراطية الى حالة من الذل والحط من الكرامة وشوّه ركائزها ودفع بها الى اتجاهات معاكسة وجعلها مثيرة للقلق، كما وجدنا من اعتبرها بدعة غربية ومصدرًا من مصادر التهديد الذي يأتي من أطراف خارجية او حاقدة او طامعة او مخربة تصرفنا عن الاختيارات الصحيحة، وجاء أستاذ العلوم السياسية اللبناني غسان سلامة في كتابه «ديمقراطية بدون ديمقراطيين» ليبيّن كم هي غائبة الديمقراطية في البلدان العربية، وإن ما هو موجود بيروقراطية تحت مظلة ديمقراطية، هذه البيروقراطية التي لا ترى في التغيير إلا نوعًا من الفوضى التي لا يصح معها أي مجتمع، وهذا كلام يتقارب مع رأي رئيس وزراء لبنان الأسبق د. سليم الحص «ديمقراطيتنا نحن العرب إما مفقودة، او منقوصة ومتعثرة جدًا جدًا مما يفرض الحاجة الى إصلاح يركز على تنمية الديمقراطية وخلق المناخات المؤدية اليها»..!

وكم هي مفارقة موجعة أن هناك من بشروا شعوبهم بالديمقراطية وكل المعاني المحيطة بها، وحملوا لواءها ولكنهم باسمها ارتكبوا التجاوزات وحتى الفظائع والمجازر، شوهوا الديمقراطية وعطلوا مسيرتها ومساراتها، وأساساتها، جعلوها ديمقراطية على هواهم ومقاسهم ومصالحهم، قوّضوا كل حراك مدني، طوّعوا بل ضيقوا الخناق على المجتمعات المدنية، أحزاب، تجمعات، منظمات، كيانات وجمعيات وهيئات، فعلوا كل ذلك وأكثر تحت عناوين وشعارات ديمقراطية وكل ما يعد من شيم الديمقراطية..!

ووجدنا وباسم الديمقراطية من تبنى أطروحات طائفية ومذهبية وعنصرية بغيضة، وجعل من الديمقراطية مطية للوصول الى غايات ومآرب وتفريخ الأزمات ونشر فيروس الكراهية بشكل يهز الأساسيات الوطنية والمجتمعية، ويحافظ بل يعظم المصالح الخاصة ويضرب كل القيم الديمقراطية في الصميم، تلك حجج يمكن أن يضاف اليها بقية الحجج..!

وكم مرة شهدنا وقائع عبّرت عن نتائج فادحة بسبب فقر الديمقراطية في مجالس وهيئات تمثل شعوبها - أو هكذا يفترض - كانت معْقِدَ آمال الناس وهي تمضي نحو خلق حالة جفاء مزمنة مع الديمقراطية، وباتت تؤاخذ على لا ديمقراطيتها رغم كثرة المزايدات والشعارات والعناوين التي ترفعها او تتبناها في مناسبات شتى وتحت يافطات ديمقراطية..!

وكم مرة لمسنا نتائج فادحة أخرى في جسم نخب وأحزاب ومؤسسات وجمعيات ونقابات وهياكل، وهي تعيش حالة من الانسداد بعد أن أصبحت الديمقراطية شعارًا رخيصًا في البازارات السياسية، اختبئوا خلفها في الخطابات والمناسبات - من باب التلهي - لا في الممارسة والسياسة والنهج والفكر، والمشكلة أنهم لا يعرفون متى يغادرون نقطة الصفر..!

نتحدث عن الديمقراطية بمناسبة يومها العالمي الذي يصادف غدًا الأربعاء، الخامس عشر من سبتمبر من كل عام الذي تبنته الأمم المتحدة باعتبارها إحدى القيم والمبادئ الأساسية العالمية لها، بهدف استعراض حالة الديمقراطية في العالم، وسعيًا الى بناء عالم أكثر مساواة، وأكثر استدامة واحترامًا للكرامة الإنسانية و حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومحاولة جعلها موضع تقدير كامل، ويمكن القول إن الديمقراطية هي بوجه عام مناداة بالكرامة والمساواة واحترام الذات الإنسانية، وهي نظام وثقافة، بل نمط حياة في آنٍ واحد.

ولكن وجدنا من شوَّه كل تلك المعاني والتعريفات، جعلوها مجرد ظاهرة صوتية وشعاراتية، او مجالس تعبر عن الشكل ولكنها تفتقد الجوهر، او برلمانات شكلية يغلب على أعضائها الميول الاستعراضية، والثرثرات الإنشائية، وكل ما بات يدخل في إطار اللوازم البرلمانية عديمة الجدوى، ديمقراطية واجهة لا وجود لها في الواقع رغم الاستمرارية في تشنيف آذان الناس بها، وإن تشدقوا بها جعلوها مشوهة مفرغة من مضمونها، او عليلة، بل وجدنا من يرفض الديمقراطية ويعلن كفره بها باعتبارها مستوردة، او إننا غير مؤهلين او غير مستعدين لها، او إنها لا تنجح إلا في مجتمعات وصلت الى درجة من الوعي والرقي والتقدم..!

هناك من يرى أن مفهوم الديمقراطية انتهى حتى عند بعض الدول التي تعتبر نفسها مصدر هذه الديمقراطية بعد أن أصبحت الديمقراطية عندها برسم التصدير، بدوافع فاجرة او زائفة وذريعة لبلوغ حق يراد به باطل، وفرض ما تشاء من إملاءات على دول أخرى لمجرد الضغط والتضييق عليها تبعًا لمصالح واعتبارات لا تتصل بالديمقراطية، وبذلك خيبت رجاء من عوّلوا عليها في بناء ديمقراطيات عالية الجودة وقادرة على الصمود وتحترم المبادئ الديمقراطية بكل تجليات الاحترام ولا تتقهقر ولا تكون ديمقراطية مشوهة تحابي الاستبداد والأنظمة التي أبعد ما تكون على وفاق مع الديمقراطية الحقة..!

يكمن أن نتوقف أمام بعض ما خلصت اليه المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات في تقرير عن الحالة العالمية للديمقراطية، هي في هذا السياق تشير الى نسبة الأنظمة الهجينة التي تتبنى واجهات ديموقراطية غالبًا في شكل انتخابات غير تنافسية، تترافق مع قيود صارمة على الحريات المدنية ومنها حرية التعبير، ونزاهة الإعلام، واستقلال القضاء، والتشاركية السياسية، وتغييب قيم المساءلة والمحاسبة، وقيود على عمل الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، والمساواة بين فئات المجتمع، ويلفت التقرير الانتباه الى أن الفساد يسمم الديمقراطية، وغياب الفساد هو السمة الديمقراطية الأكثر ارتباطًا بتلبية الاحتياجات الأساسية، وإن ارتفاع مستويات الفساد يشكل عقبة أمام التنمية المستدامة، وهو يدعو أخيرًا مواجهة التحديات التي تواجه الحالة الديمقراطية في العالم..!

تلك الدعوة تتفق مع ما ذهب اليه رئيس الاتحاد البرلماني الدولي في أعمال المؤتمر الخامس لرؤساء البرلمانات في العالم الذي عقد بالنمسا في الاسبوع الماضي، فالرجل دعا الى مزيد من التضامن بين الدول لإيجاد مناخ اجتماعي واقتصادي وسياسي عالمي لدعم وحماية الديمقراطية في العالم، لا نعلم إن كان ذلك يحمل دعوة عالمية للانكباب على بناء البنى التحتية للديمقراطية المستدامة في الدول التي يتعثر او يتشوه فيها مسار الديمقراطية، كما لا نعلم إن كانت هذه الدعوة ستحظى بالقبول والتجاوب ام لا، أخشى أنه علينا أن ننتظر بأن تحصل معجزة ترسي الديمقراطية الحقيقية المطلوبة والمنشودة وليس تلك التي تتحول الى شيء ونقيضه، او يحمل على ظهرها ما يناقضها وكأننا نحفر نفقًا في قلب صحراء شاسعة..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها