النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11888 الإثنين 25 اكتوبر 2021 الموافق 19 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

يتآخى الموت والحياة في مسرح وادي الرفاع

رابط مختصر
العدد 11847 الثلاثاء 14 سبتمبر 2021 الموافق 7 صفر 1442

ذات صباح ستيني، كنت وبعض أقراني بمدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين نتناول وجباتنا الخفيفة المكونة من السندويشات والبيبسي والماء المنزلي العذب الذي تحتويه قناني بلاستيكية كنا نطلق عليها (المطارة) نسبة لماء المطر، وذلك أثناء الفسحة المدرسية التي يسمح لنا آنذاك بأن نقضيها في الساحة الخارجية بالجوار من قلعة الشيخ سلمان بن أحمد آل الخليفة الفاتح والمدفع الفولاذي التاريخي التابع للقلعة والمطل على وادي الحنينية مباشرة، فإذا بموكب جنائزي صامت يحمل جثمان أحد الموتى القاطنين في الرفاع يتقدم نحونا من جهة الجنوب متجها ومنحدرا نحو الشمال ومن ثم منعرجا غربا نحو المنحدر المتجه إلى المقبرة المفتوحة غير المسورة آنذاك في وادي الحنينية.

هذا الموكب الجنائزي هو أول موكب أراه في حياتي، وأول مرة أتعرف من خلاله على الموت، حيث لم أرَ قبله موكبا للموت وربما لم يدرْ بخلدي لحظتها بأن الموت هو مصير كل كائن حي، وقد أثار هذا الموكب دهشتي واستغرابي إلى الحد الذي أقلق رأسي وأربك مضجعي واستفز أسئلتي التي عانت جدتاي نورة بنت عبدالله المسيفر وقوت بنت علي بن سالم البنزايد الدوسري من كثرتهما وتكرارهما، وبالرغم من أنني أعلم حينها بأن هناك مقبرة للموتى في وادي الحنينية، إلا أني لم أعرف عن هذه المقبرة سوى أنها مكان للطيور والأعشاب باختلاف أشكالها ومواسمها، أبدا لم أرَ فيها قبل ذلك آدميا ميتا يدفن فيها.

رنَّ جرس المدرسة إيذانا بالتوجه إلى فصولنا لاستئناف دروسنا، إلا أني لم أكن معنيا به بقدر اندهاشي وانشداهي بهذا الموكب الجنائزي الذي بسبب انصراف عيناي نحوه وهو يتوجه إلى أسفل المدينة في الوادي ومن ثم المقبرة، تعرضت لزجر شديد نابي من أحد المدرسين وهو يوبخني بسبب تأخري عن دخول المدرسة بعيدا عن الساحة الخارجية والوادي والمقبرة. 

وكان هذا الموكب الجنائزي هو فاتحة ومستهل المواكب الجنائزية الأخرى التي شهدتها بالجوار من المدرسة ومن خلال أحياء الرفاع وهي تطوف من خلال شوارع وأزقة وطرق متعرجة مشيا على الأقدام للوصول إلى حيث نهاية كل كائن حي بمقبرة الرفاع. 

ويتكشف لي سر هذا الموت شيئا فشيئا، عندما فطنت إلى أسرار أخرى متعلقة بالموت والدفن يحتفظ بها بيت العم صالح بن علي المجاور لبيتنا، وهو أحد تجار السوق في الرفاع الشرقي ومن أهل الخير المعروفين فيها كما أنه أول بيت في الرفاع يجعل من زوجته رحمة الله عليها وأبناءه وبناته شركاء في تجارته، بل أنه أول تاجر في الرفاع يسمح لبناته الفاضلات فترة صباهن بالبيع في دكان بالرفاع الشرقي كلها.

في هذا البيت الحميم الذي لا تفارق الابتسامة ولا يفارق الانشراح محيا عائلته، تكشَّف لي بأنه أول بيت في الرفاع كان يسخي بفعل خيره تقربا لله سبحانه وتعالى على أهل الموتى في الرفاع بمستلزمات الجنازة من أكفان وقطن ومعطرات (الكافور) وغيرها، وكانت زوجته رحمة الله عليها أم علي هي من تشرف على هذه المهمة، بل وتسهم في غسل الموتى من النساء وتدل على من تعرفهن وتعرفهم ممن يقمن أو يقوموا بمثل هذه المهمة. 

وكان الموتى في ستينيات القرن الماضي غالبا ما كانوا يُغسلون في منازلهم ويتم تكفينهم فيها ومن ثم تستعار النعوش من المساجد المجاورة لحملهم على الأكتاف والتوجه بهم مشيا في الغالب إلى المقبرة، وكانت مهمة حفر القبور موكل أمرها في الغالب إلى أهل الميت وفق توجيهات بلدية الرفاع آنذاك، وكان حارس عين الحنينية سعد بن يعقوب أحد أهم من يباشر في حفر القبور في هذه المقبرة نظير أجر زهيد وأحيانا لوجه الله، وأذكر أن أشهر النساء في الرفاع والتي تقوم بغسل الموتى من النساء وإعدادهن للدفن هي حليمة بنت زليخه العبدالله، هكذا عرفت في الرفاع نسبة إلى أمها لا إلى أبيها.

وكان أهالي الرفاع يعرفون عن الميت من خلال المساجد في أوقات الصلاة ومن خلال التواصل أو التبليغ الشفوي الاجتماعي، حيث لا إعلان آنذاك عن الموتى بالجرائد أو من خلال الوسائط المرئية أو المسموعة، وكان كل من يشاهد أو يلمح جنازة يشارك في الدفن خاصة إذا كانوا من مرتادي الحنينية، وتراهم يمضون بالجنازة وكما لو أنهم يزفون عريسا وهم الكثرة التي لا تنقص في المناسبتين، حيث التبليغ عن الزواج يتم أيضا بنفس الطريقة ومن خلال هذه القنوات المباشرة، المسجد والتبليغ الشفوي، وكانت البيوت الصغيرة والمتوسطة والكبيرة هي من تحتوي أهل الرفاع للقيام بواجب العزاء، حيث لا صالات معدة آنذاك للعزاء كما هو الحال الآن، ولا استراحات معدة في المقبرة نفسها لهذا الواجب كما هو الآن، وكان بعضهم يقوم بواجب العزاء مباشرة بعد الدفن إذا شح وجود مكان يتسع في بيت المرحوم للمعزين. 

وأذكر أن أول جنازة شاركت في موكبها طفلا، جنازة الجدة الكبرى نورة بنت عبدالله المسيفر، جدة الوالد رحمة الله عليهما، وأذكر أن صلاة الجنازة كانت في مسجد الشيخ علي بن خليفة المجاور لبيتنا، والتي بعدها انطلق الموكب الجنائزي سريعا باتجاه مقبرة الحنينية محفوفا برجال العائلة وأصدقاء الوالد وكثرة من المشيعين من أهالي الرفاع، وهناك حيث مثوى الجدة الأخير لأول مرة أرى بأم عيني كيفية دفن الميت في القبر، وأعرف أن للميت وسادة من الطين كما للحي وسادة من القطن أو الريش، الأمر الذي جعلني أوقن لحظتها بأن الجدة نورة قد انتقلت من بيتها لتنام قريرة العين في بيت آخر بحجم جسدها وروحها، ولم تكن في الأصل ميتة كما يعتقد البعض، هكذا كنت أفكر وأتخيل لحظتها رحيل الجدة نورة من البيت إلى المقبرة، مثلما أتذكر جيدا طراوة الوسادة الطينية التي شكلها كفّا والدي لرأسها الكريم الحاني. هذه الوسادة الطينية الطرية زادتني يقينا بأن الموتى في مقبرة الحنينية لا يموتون، خاصة وأن معتقد أن ماء الحنينية يتسلل كل يوم إلى قبور أهل هذه المقبرة ليرويهم ويحييهم ثانية، ظل راسخا في رأسي ومخيلتي منذ أن سمعت ذلك لأول مرة من (سقّاية) الماء الشهيرة في الرفاع (زعفران) رحمة الله عليها التي تقصد عين الحنينية بحمارها كل يوم لملأ جرابها الجلدية والتي نطلق عليها بلهجتنا الدارجة (اليود) والتي لو تمعنا فيها جيدا سنرى أنها مبحرنة عن الصفة العربية المعروفة (الجود)، بمعنى الكرم، وما أكرم هذا الجود على أهل الرفاع كلها، خاصة إذا شحت مياه المواسير أو المياه المصنعة خاصة في مدينة العوالي. 

في هذا الوادي الفسيح الخصيب الذي تحتل المقبرة فيه بأمواتها الأحياء حيزا كبيرا، يتآخى الموت مع الحياة، يتعانقان إلى حد التماهي، بل إلى درجة تشعر فيها بأن كل شيء في هذا الوادي حي لا يموت، وإذا مات فإنه سرعان ما يعود ليحيا مجددا، ففي هذا الفسح كل شيء يذكرك بالحياة، بدءا من عين الحنينية وصولا إلى شجرة النبق (سدرة الكنار) التي تقام نذور الحياة تحتها وحولها، ومن ثم البئر المهجور الذي ينتظر حتى هذه اللحظة ورود الماء فيه مجددا، وانتهاء وامتدادا إلى شجرة الحياة التي تتعرش آخر تلة في هذا الفسح الممتد لوادي الحنينية، والتي لا تزال جذورها وأغصانها وأوراقها شاهدة على حياة خصبة لا تموت.

وعلى رأس هذا الوادي بمدينة الرفاع الشرقي خصصت مساحة واسعة لصلاة العيد، والتي لا تزال تقام فيها حتى يومنا هذا، حيث تفرش الحصر سابقا والتي استبدلت لاحقا بالسجاد لصلاة المصلين، وأقيم في مقدمة هذا الرأس منبر أسمنتي لخطيب صلاة العيد، وهذا المصلى المفتوح يقع في مقدمة مستشفى الرفاع ويطل على الوادي مباشرة.

وما العيد سوى فرح وبهجة وتواصل أرحام، إذ ما إن تنتهي الصلاة ويتصافح المصلون حتى انطلق أغلبهم وهم يكتسون الفرح ثيابا و(دهن العود) الزكي الرائحة نحو ذويهم في مقبرة الحنينية للسلام عليهم والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة، وكثيرا ما كنت أصحب والدي إلى هذه المقبرة بعد صلاة العيد إلى هذه المقبرة، وفي ذلك اليوم تمتلئ المقبرة بالمصلين من أهل الرفاعين (الشرقي والغربي)، لينتابك حينها شعور بأن هؤلاء الموتى أحياء وهم ينتظرون ذويهم في قاعة استقبال كبيرة بحجم المقبرة ذاتها، وأذكر أن الوالد رحمة الله عليه لا يزور ذويه إلا في مناسبة العيدين (الفطر والأضحى).

في هذا الوادي كما أشرت يتآخى ويتعايش الفرح والحزن وتلتقي الحياة بالموت، ليصبح كل شيء فيها في حوار لا يكف عن الانتصار للحياة بكافة أنواعها وأشكالها، وفي مختلف فصولها ومواسمها، ففي المقبرة ذاتها تتعرش الطيور شواهد القبور وكما لو أنها أوكار، وينتشر الصبية بين القبور لاصطياد هذه الطيور وكما لو أنهم في حيز أزقة بيوتهم وأحيائهم، كما تنتشر النسوة وخاصة في الربيع والشتاء في فسح هذا الوادي للحظوة بأعشاب (الملبو) و (الحنزاب) و (الحوة) و (الشري) المر، الذي يستخدم للعلاج أو كدواء شعبي، كما تحتل زهرة (النوير) فسحا ذهبيا رائعا في الوادي وكما لو أنها تعلن وتؤكد بأن للشمس أصل وتاريخ في الرفاع، وأذكر أن ثمرة (إيراوة العتر) هي ولع الصبية في هذا الوادي أثناء قضاء وقتهم لاصطياد الطيور، ومن أهمها وأكثرها انتشارا (المدقي) و (المخضرم) و (الصعو) و (السمّن) والجوارح (الحمامي) و (الأشول) و (الرماني) و(الشرياص) و (الترمّه)، بجانب الطيور المهاجرة كطير (الخضّيري) الزاهي الألوان، و(الهدهد) كما أنه في فصلي الشتاء والربيع أيضا، تلتحف وتزهو المقابر بالأخضر من الأعشاب والأشجار، وكما لو أن موتاها يعيدون بعث حياتهم مجددا بأشكال أخرى تنتمي للحياة وليس إلى أي شيء سواها. أما في الخريف الذي بتنا اليوم لا نعرفه من بين المواسم، يبدو كالعسجد المصفى في فسح الوادي كله بما فيها المقبرة، وهو موسم أيضا له طيوره وأعشابه ورواده. 

وليس غريبا على الوادي بأن يكون بهذا الجمال المتآخي الحي والزاهي، وهو الذي ينعم بأجود تربة في البحرين، وهي التربة القرنية الخصبة التي أنبتت القمح الفريد والذي لم تنجبه ولم تسخِ به أية تربة في البحرين غير تربة وادي الحنينية، والذي بسببه احتفى أهل الرفاع بفن (دق الحب) تأكيدا لخيراته على أهل الرفاع كلها، بل والبحرين، والذي يقام بقرب عين الحنينية والمقبرة أيضا، هذا طبعا بجانب ما ذكرت من أعشاب وثمار ونباتات.  هذه التربة الطينية الخصبة الفريدة، تكاثر قسم منها وبالجوار من المقبرة أيضا وعين الحنينية، يطلق عليه (المطينه) والذي نراه في طفولتنا أشبه بحفرة واسعة هيأها الخالق لتكون عينا أخرى لمتعة صبية الرفاع في موسمي الشتاء والربيع بالسباحة بجوار عين (أم الأرواح) المجاورة لعين الحنينية مباشرة، ولم نكن نعلم حينها بأن هذه المطينة كانت زادا مهما لبنائي البيوت في الرفاع ولصناع المباخر و(الدّوه) فيها.  في هذا الوادي الذي يحتضن هذه المقبرة ويستقبل ساكنيها بين حين وآخر، هناك يطلق كل صباح وحتى أول المساء راعي أحياء الرفاع العماني (غابش) أغنامه وخرافه للتنعم بالكلأ المتاح، مثلما يطلق فرسان الرفاع خيولهم كل عصر في مضمار (الرفّه) الغربي والمجاور تقريبا لقصر ومضمار سمو الشيخ محمد بن سلمان آل خليفة رحمة الله عليه وغفرانه، والذي يبدو كامتداد لا متناه لفسح هذا الوادي. 

هذا التآخي بين كل الكائنات بأنواعها وأشكالها في فسح هذا الوادي الخصيب، هو أول مسرح في الطفولة يطلق عنان مخيلتي نحو هذه العلاقة المتواشجة الخلاقة المتنامية الغريبة العجيبة بين الموت والحياة، والتي وجدَت لها حيزا مهما في تفكيري ورؤيتي للحياة والمسرح معا فيما بعد، حيث كنت أرى هذا الوادي الخصيب بالأحياء والأموات معا وكما لو أن الرفاع تختزل في بهوه الواسع، والذي بدأ من خلال لحظة كانت بالنسبة لي أشبه بالمسرح الجنائزي عندما مرّ موكب الموت ذات صباح ستيني بجوار مدرستنا بالرفاع الشرقي. في هذا الوادي، ومن طينه وحيواته وطقوسه، أدركت فيما بعد لِمَ كانت جدتي نورة رحمة الله عليها تنصحني بشم واستنشاق الطين بجدار زريبة أبقارها إذا شعرت بأي تقيؤ. 

فهل كان المسرح يخلو من هذه الرائحة؟ ألم يكن هذا الوادي بأحيائه وأمواته مشبعا بهذه الرائحة؟ وألم تكن مثل هذه الرائحة أشبه بالذاكرة العصية على النسيان؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها