النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

ميقاتي يختنق بعبراته

رابط مختصر
العدد 11846 الإثنين 13 سبتمبر 2021 الموافق 6 صفر 1442

 «من واقع المنطقة الإنسانية الضاغطة التي تجمع بني البشر، والوجع الضارب في عميق الوجدان، الذي يفرضه المشهد اللبناني وما آلت إليه الأوضاع الإنسانية الأليمة التي عبر عنها رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة، بعبرات خانقة ودموع لم تمنعها صلابته وهيبة موقعه في الدولة من التفجر في مفاصل كلمته التي تتحدث عن الدمار وأشلاء الضحايا، ولعلها أوصلت رسالته الإنسانية الشفافة...»، هذه فقرة مستقطعة من مقال سابق كتبته في عام 2006 عام الحرب التي ورط فيها «حزب الله» لبنان في حرب غير متكافئة مع إسرائيل خلفت ضحايا ودمارًا لم يتعاف لبنان بعد من آثارها.

 وما أشبه اليوم بالأمس، فها هو رئيس وزراء لبنان الجديد نجيب ميقاتي، وفي أول كلمة له بعد الإعلان عن الاتفاق على صدور مرسوم تشكيل وزارة جديدة يرأسها بعد أكثر من أحد عشر شهرًا من الفراغ السياسي على إثر استقالة حكومة حسن دياب على خلفية مأساة انفجار مرفأ بيروت المروع التي ترتقي إلى مستوى الجريمة المنظمة في أسبابها ووقائعها ونتائجها، وإلى مستوى الفضيحة الدالة على ما آلت إليه الأوضاع اللبنانية من بؤس أمني وسياسي سببه تنظيم طائفي للسلطة جعل طرفًا باع ضميره للشيطان يتغول وينخر بسوس طائفيته وعمالته مؤسسات الدولة وصبر المواطن اللبناني الذي خرج ثائرًا متمردًا صارخًا «ليرحلوا كلّن يعني كلّن»، ها هو يختنق يختنق بعبراته ويذرف دموعه أمام مشهد الذل والهوان والفقر الذي يعيشه المجتمع اللبناني وهو يشهد قسوة الوضع الاقتصادي ونهش الجوع لطبقة فقيرة ما فتئت تتوسع باستمرار في ظل عجز واضح لقوى الجيش اللبناني ولمختلف مكونات المشهد السياسي اللبناني أمام هيمنة «حزب الله» على لبنان فضلاً عن مسلسل الدمار الذي صنعته لأعوام رهنت مستقبل لبنان ومستقبل أبنائه خدمة للطموحات الفارسية في الهيمنة على البلدان العربية. نجيب ميقاتي ابتعد عن اللغة الخشبية وبنى خطابه وحججه من وجدان لبناني اكتوى بمشاهد البؤس والفقر التي بلغت الغاية فصاغ المشهد الاجتماعي اليومي باعتماد صورة تجاوزت في بلاغتها وقوة تأثيرها المألوف من الصور، إنها صورة الأمهات اللاتي قللن جرعات الحليب لأطفالهن لأن الحليب غير متوافر في لبنان، وصورة الأم اللبنانية التي تودع ابنها المهاجر بدمعة، وليس لديها ما يكفي لشراء حبة بنادول.

 الدمعتان الحالتان متشابهتان لجهة الحالة المزرية التي يعيشها المجتمع اللبناني بفعل هيمنة «حزب الله» على مفاصل الدولة اللبنانية، والفرق بينهما هو أن بكاء السنيورة كان في خضم دمار الحرب التي جر «حزب الله» لبنان إليها مع إسرائيل، وأن بكاء ميقاتي تم قبل ممارسة مسؤولياته كرئيس للوزراء. فهل نحن أمام حكومة سيكتب لها النجاح في ترتيب الأوضاع الداخلية في لبنان، ومواجهة التحديات الرئيسية المتمثلة في محاربة الفساد أولاً؛ ليتسنى توفير المال الذي ستقدمه الدول المانحة لتوفير الخدمات وانتشال الناس من حالة البؤس والفقر والمصير المجهول وإعادة الدولة اللبنانية إلى محيطها العربي، كما وعد ميقاتي في كلمته الأولى بُعيد إعلان تشكيل الحكومة، خصوصًا وأن التصريح باستمرارية رفع الدعم عن المواطنين كان عنوانًا بارزًا في كلمته حين قال: «نحن منشفين»، أي أنه لا يملك المال الكافي لمعاودة دعم المواد الاستهلاكية الضرورية؟

 هناك ملفات عالقة كثيرة، مثقلة بالمشكلات والأزمات. هناك فساد ينخر عظم الدولة اللبنانية وقليل جدا عدد من لم يتورط من الطبقة السياسية الحاكمة في هذا العفن، وهناك ما سيسفر عنه التحقيق في تفجير مرفأ بيروت فنتائج التحقيق سيكون لها تأثير خطير على أمن واستقرار لبنان، وهناك الانتخابات النيابية وسلاح «حزب الله» الذي لم يعد مطلبًا لبنانيًا فحسب وإنما صار مطلبًا أمميًا. لبنان مع هيمنة «حزب الله» حالة من اليأس والعذاب المستمرين التي على اللبنانيين أن يجدوا لها حلاً ناجزًا حتى يتمكنوا من إعادة بناء دولة مدنية حضارية كالتي عرفوها قبل نشأة هذا الحزب اللعين، الذي سرق أحلام اللبنانيين في وطن آمن.

 نجيب ميقاتي من الشخصيات الوطنية المشهود لها، فهو سياسي شارك في عدة حكومات لبنانية سابقةً وزيرًا لفترات طويلة، وصار رئيسًا لوزرائها لفترتين سابقتين، لكن الحكومة بتركيبتها، حكومة توافقات ومن الطبيعي أن من كان يدير هذه التوفقات ويوجهها في الخفاء وفق ما يخدم أجندته الطائفية المقيتة هو»حزب الله»، بوصفه القوة المهيمنة على المشهد اللبناني وقراره، ووحده هو من يسمح ولا يسمح بتشكيل الوزارة. اليوم سمح الحزب وأعطى موافقته للرئيس عون بإصدار مرسوم تشكيل هذه الوزارة، وبالتالي فإن احتمالات الفشل واردة لهذا السبب؛ إذ من الحمق أن ننتظر نتيجة مختلفة إذا ما أعدنا إنتاج الأسباب ذاتها.

 شخصيًا أرجو للبنان الذي له مكانة مميزة في الوجدان العربي كونه واحدًا من مراكز الإشعاع الحضاري المهمة في الوطن العربي سرعة التعافي مما ألم به من أمراض ومآسٍ، ولكنني أعتقد أن خلاص لبنان الحقيقي لن يتم إلا بالتخلص من أعباء الطائفية وإعادة الاعتبار لمقومات الدولة ومؤسساتها وخاصة منها حصرية استعمال القوة وامتلاك السلاح، وبالعودة الفعلية للحاضنة العربية بعيدًا عن الفيروس الإيراني القاتل وأورامه السرطانية التي ارتدت أثواب الأحزاب وهي في حقيقتها ميليشيات عسكرية لا صلة لها من قريب أو بعيد بمفهوم الحزب كما نعرفها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها