النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

عــــــدو المـــــــرأة

رابط مختصر
العدد 11843 الجمعة 10 سبتمبر 2021 الموافق 3 صفر 1442

أثناء تقليبي ما بعد الليلي في عشرات القنوات الفضائية قادتني يدي إلى فيلم عربي «أبيض وأسود» يحمل اسم «عدو المرأة»، استفزني العنوان، وأثارني فضولي أن أترك البرامج السياسية والتحليلات الاقتصادية والحوارات الثقافية وأنحيها جانبًا وأعيش لبعض الوقت مع هذا الفيلم المثير الذي كتب قصته الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي، وقام ببطولته فتى الشاشة الأول آنذاك رشدي أباظة، وشاركته في البطولة نادية لطفي ولفيف من الفنانين الذين تركوا بصمة لا تزول، وأثروا فنًا لا تغرب عنه الشمس.

المثير في الفيلم أنه كان يؤرخ لمرحلة، لثقافة، لمستوى اجتماعي تعيشه الطبقة المتوسطة في مصر، عدو المرأة في الفيلم مجرد كاتب صحفي وأستاذ في الجامعة، مقالاته تهز الوجدان، وتزلزل الأرض الصلبة التي تقف عليها صامدة واثقة نساء مصر والعرب، انعكاس لواقع يحترم الصحافة، ويقدس الكلمة ويصعد بصاحبها إلى عنان السماء، شهرة وجاهًا ووجاهة ومكانة.

قد يكون محمد التابعي يقصد في قصته توفيق الحكيم بمواقفه المضادة لعمل المرأة، أو للأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي شن هجومًا تلفزيونيًا وحملات مضادة للمرأة في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وقد يكون محمد التابعي متأثرًا بما كان يحدث لصديق عمره الشاعر والصحفي الكبير كامل الشتاوي وهو يعاني في رائعته «لا تكذبي»، لكن الأكيد أن الواقع المصري آنذاك كان يضع الكاتب في مكانة يستحقها وكذلك الواقع العربي، كان الكاتب يعيش في فيلا ساحرة بحديقة وحمام للسباحة، وكان لا يتسول الصحف لكي يعثر لنفسه عن «ثقب إبرة» لمقال مارق من هنا أو هناك.

لم تكن الصحف تستجدي وكالات الإعلان، ولا أثرياء اللحظة، كي تخطب ودهم وتحصل منهم على ما يسد رمق العيش المتبقي من صحافة مشكوك وللأسف الشديد في أثرها، ومطعون في نزاهة الكثير من كُتابها، لم يكن «عدو المرأة» تجميلًا لقبح مستحكم في وطن، ولا تعريفًا بأشكال لا تحمل من المضامين ما يؤكد على المظهر اللائق في كل مشهد، وفي كل حركة، وفي كل حوار، لكنه كان انعكاسًا وتجسيدًا لواقع يؤثر فيه الكاتب، ويتجلى في قضاياه المفكر، ويتحرر من أجل واقعه السياسي والاقتصادي والأديب.

المرأة كانت وستظل محور كتابات أدبائنا، مربط فرس قضايانا، نصف المجتمع وكل حلاوته، سعادته ومبعث شقاؤه، رغم ذلك غرقت الأمة بعد ضياع بوصلتها في «تسليع» المرأة، في عرضها بـ«فترينات» أو واجهات بيوتات الأزياء والمتاجر التي تحترف تقديم الشكل على حساب المضمون، والمظهر على حساب الدور.

هكذا أصبحت النظرة للمرأة والمجتمع، وهكذا تمت المتاجرة بكل القيم الأخلاقية للإنسان في بلادنا على امتدادها، وفي ثقافتنا على عمقها وثراء تراثها، وفي مجتمعنا على تراجعه وخيبة أمله فيما هو قادم.

«عدو المرأة»، أو عدو المجتمع، أو عدونا في أيامنا الغبراء، تلك هي القضية، الكاتب لم يعد مؤثرًا، والفنان لم يعد مثلما كان، وحتى المرأة لم تعد مثلما كانت.

حتى الصحف ودور السينما وشركات الإنتاج والتوزيع استبدلت محمد التابعي بـ«الخنفس أبو ذيل حصان»، ورشدي أباظة بمحمد رمضان، والشعب بشعب آخر لا يسمع ولا يرى، لا يفهم ولا يتكلم.

«عدو المرأة» أبكاني أكثر مما أبكى المرأة، سرق النوم من عيني ولم يسرقه من ربات البيوت وسيدات القصور وبنات اليوم.

«عدو المرأة» شأنه في ذلك شأن العديد من أفلام أيام زمان منصة للتجسيد والتعبير والتأثير والالتزام، فرحة يأتي بها المنتج، وفكرة تتجلى في رأس أديب، وشرارة يحمل مشعلها مخرج سينمائي مثقف ومستنير.

لا أريد أن أقع في المطب ذاته عاقدًا مقارنة ظالمة بين ما نحن عليه الآن وبين ما كنا عليه أيام زمان، لا أريد أن أواصل البكاء على «الحليب» المسكوب، فيصيبني الخجل من مهنتي التي تعاني، ومن زملائي الذين تضيق بهم السبل بحثًا عن زيادة الدخل لأن معاشاتهم التقاعدية لا تكفي قيمة علبة دواء ولا فاتورة كهرباء، ولا مشوار قصير لسوبرماركت صغير.

«عدو المرأة» سيظل عدوًا للواقع الذي نعيش، وللأفلام التي نشاهد، وللصحفي الذي يقبل أن يضع نفسه في موقف لا يُحسد عليه طالبًا مصلحة على عتبة، أو لقاءً على باب، أو «أوفر تايم» من صحيفة لا تستطيع الوفاء برواتب صحفييها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها