النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

الهدف «المتصور» يطغى على الهدف «المطلوب»

رابط مختصر
العدد 11842 الخميس 9 سبتمبر 2021 الموافق 2 صفر 1442

سربت مؤخرًا صحيفة AXIOS خبر تعيين الرئيس الامريكي جوزيف بايدن مستشارًا جديدا لروبرت مالي (مسؤول الملف الايراني في الإدارة الأمريكية) يدعى دانيال شابيرو أو دان كما يطلق عليه وهو السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل في عهد اوباما (كان سفيرا لامريكا في إسرائيل منذ 2011 لغاية 2017) وهو على علاقة شخصية جيدة مع كثير من المسؤولين الاسرائيليين بما فيهم رئيس الوزراء الجديد نفتالي بنيت. 

وبحسب الصحيفة التي سربت الخبر فإن هذا التعيين يأتي في اطار حرص الادارة الامريكية لتسهيل الحوار مع الحكومة الاسرائيلية بشأن الملف النووي الايراني بطريقة تضمن تقبلهم للموضوع ونتج عن ذلك تفاهم غير معلن بين رئيس الوزراء الاسرائيلي بينيت والرئيس الامريكي بايدن تعهد فيه بينيت بأن لا يهاجم السياسة الامريكية في هذا الملف بشكلٍ علني حتى وإن توصلت لاتفاق مع ايران بعكس ما فعل نتنياهو مع اوباما. 

تطرق لهذا الموضوع الكاتب السعودي مشاري الذايدي في صحيفة الشرق الاوسط واستنتج بشكل سليم، بأن «اختيارات الرجال تدل على عقولهم ونواياهم»، ولأن شابيرو نفسه كتب ونشر عددا من المقالات وله بعض الآراء العلنية التي لخصها في ان محاولة التفاوض مع ايران واقناعها بالتخلي عن سلوكها الاقليمي وصواريخها البالستية وبقية المتطلبات التي تمسكت بها ادارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب للعودة للاتفاق النووي هي غير قابلة للتطبيق لانها ستؤدي لتغيير جوهري وعميق في بنية النظام الايراني!! 

هذه المسألة، تعيين شخصيات بهذا التوجه والتفكير وكذلك هذا الاصرار على سياسات محددة، يقودنا لاصل المشكلة من وجهة نظر تحليلية تسبق مرحلة رسم السياسات والتعامل مع نتائجها، وهي مشكلة نضطر ان نتعامل معاها في منطقتنا بشكل مكلف جدا وتهدد مصيرنا ووجودنا. 

أصلها أن كثيرا من النخب السياسية والاكاديمية والخبراء والاعلاميين وحتى المؤرخين الغربيين حصل عندهم تحول خطير استبدلوا فيه اسس كل شيء من رسم السياسات او حتى كتابة التاريخ ليس بناءً على البراهين والاستدلال بالوقائع انما الى اعتماد النظريات والايديولوجيات كمحرك اساسي لرسم السياسات والتوجهات بناء على فكرة او نظرية محتملة تصبح بحكم نفوذهم وتأثيرهم لدى دوائر صنع القرار والاعلام وشبكات الضغط، نظرية مقدسة وحقائق لا تقبل النقاش، وان أي تجرأ لأي شخص على التشكيك فيها ستمارس عليه ثقافة الالغاء cancel culture في ابشع صورها. 

هذه الإشكالية كتب عنها عدد قليل جدا من المختصين بسبب خوفهم او عدم قدرتهم على تصور حجم الاشكالية ومن هذه القلة البروفيسور في جامعة كامبريدج ديفيد ابولافيا، وحذر ان الرضوخ لهذا التحول سيقود العالم لتحويل كتابة التاريخ بسردية ضيقة وقد تكون خاطئة وبالتالي تؤدي لاتخاذ قرارات وبناء سياسات غير سليمة وتصنع المستقبل بشكل مشوه وتقود لنتائج كارثية. 

هذا التحذير الذي يبدو استباقيا هو في الواقع امر ملموس ومعاش وله انعكاسات خطيرة على شعوب ودول العالم وأكثر من يعرف ذلك هم شعوب دول الشرق الاوسط، وهو ما يثبت دقة استنتاج مشاري الذايدي على خبر تعيين السفير السابق دان شابيرو كأحد كبار مستشارين المسؤول عن الملف النووي الايراني روب مالي والذي يُعرف عنه تحمسه الشديد لهذا الاتفاق محل الجدل وهو ايضا شخصية جدلية، والغريب ان الخارجية الامريكية علقت على خبر تعيين شابيرو انه يأتي ضمن توجه الادارة الامريكية تعيين مستشاريين لديهم اراء مختلفة وكذلك بحكم علاقاته الجيدة مع الحكومة الاسرائيلية مما سيسهل الحوار والتنسيق معهم وايضا سيؤدي لفهم اعمق للمنطقة!!

هذه الدائرة المغلقة من أصحاب فكر واحد حتى إن كان هناك تباين في بعض الاساليب بينهم إلا أنهم متشابهون جدًا في التركيز على الهدف «المتصور» لا على الهدف «المطلوب» وبناءً على سردية او نظرية مسبقة لا بناء على براهين وحقائق. فالهدف المطلوب في ما يخص الملف الايراني يجب أن يكون تحقيق الاستقرار وتجنب تحويل المنطقة لمنطقة صراع مشتعل ومنع ايران من بسط نفوذها بما يهدد المصالح الامريكية وغيرها من اهداف واضحة لمن يبحث عن الاستدلال المنطقي لكنها مغيبة عن اصحاب النظرية السردية «المتصورة» والمتخيلة الذين يتصورون أن الوسيلة (اتفاق نووي مع ايران) هي الهدف الذي سيحقق لهم المطلوب.

فتسخر كل الإمكانات وتدفع أغلى الأثمان لتحقيق الحصول على «الوسيلة» التي أصبحت الهدف مهما برزت وقائع تبرهن خطأ هذا التصور وهذه السياسة إلا أنهم يكابرون وترفض أعينهم ولا تقبل عقولهم حتى مناقشة هذه البراهين، ويخرج لنا منظرون يبررون بشكل لا يقبله المنطق ولا تستوعبه العين التي ترى الحقيقة متجلية أمامها، أليس هذا ما يحصل أمامنا اليوم مع احداث افغانستان الاخيرة وحصل قبلها في العراق وفي أحداث ما سمي بالربيع العربي وفي كل الأمثلة التي كانت بسبب رسم سياسات وفق «تصورات» و«نظريات» خيالية او مثالية لا علاقة لها بالواقع، وما يجعلها تتكرر هو رفض أصحابها الاعتراف بالبراهين الواقعية وتمسكهم بالنظرية. 

ولذلك تتكرر الأسئلة، لماذا لا يريدون الديموقراطية؟ لماذا لا يفهموننا؟ لماذا يكرهوننا؟ وتأتي إجاباتهم على أنفسهم مثل غرف الصدى التي لا يسمعون فيها إلا أنفسهم، لأنهم يغيرون من قيمنا، ويكرهون حريتنا، ولأنهم جبناء وفاسدون وغيرها من إجابات مازلنا نسمعها حتى اليوم على افغانستان مثل ما سمعناها على غيرها.

لكن المصيبة إننا ندفع معهم الثمن من استقرارنا وتهدد مصالحنا ووجودنا، فهل نستطيع تجنب هذه الأثمان المكلفة والمتكررة عن طريق تحقيق اختراق لدوائر صنع القرار الغربية وتصويب طريقة تفكيرهم؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها