النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

بين طالبان وأمريكا زواج كاثوليكي

رابط مختصر
العدد 11842 الخميس 9 سبتمبر 2021 الموافق 2 صفر 1442

الاعلام يرسم صورة واحدة بالوان مختلفة، وفي عمق السياسة صور عديدة تعكسها سيناريوهات مختلفة وحتى متناقضة، وهذه السيناريوهات هي افرازات لاستراتيجيات استهلكت، وهي عناصر لاستراتيجيات جديدة تقتضيها تطورات الاحداث التي تبلورت وتفاعلت وهي نتاج لاستراتيجيات سابقة انتهت صلاحيتها… الاستراتيجيات لا تختلف عن السلع الاستهلاكية، فلها صلاحية زمنية محدودة بين تاريخ الانتاج وتاريخ نهاية الصلاحية. استراتيجية الوجود الامريكي المباشر في افغانستان كان من نتاج عام 2001، ويبدو ان صلاحية هذا الوجود قد انتهت في عام 2021، اي بعد عشرين عاما من الزمن الذي استهلكت فيه سلعة التواجد العسكري المباشر في افغانستان، وفي هذه الفترة حقق هذا التواجد العسكري النتائج المرجوة لسادة الصناعة العسكرية وزعماء السياسة في امريكا، هذه الدولة التي مازات تحافظ على رتبتها الاعلى (العظمى) بين جميع دول العالم. وبهذه القراءة التي تمزج بين العناصر الفاعلة والمحفزة، وهي الاقتصاد والسياسة والمكانة الدولية والدور التاريخي، فان امريكا لم تنهزم في افغانستان ولم تطرد منها، ولكن الذي حصل هو انتهاء صلاحية سلعة (استراتيجية) والبدء باستهلاك (تنفيذ) سلعة (استراتيجية) تخرج من رحم الاستراتيجية السابقة التي انتهت صلاحيتها… هكذا الفلسفة الراسمالية في الاقتصاد والسياسة والحرب، فطالما أن هذا النظام الراسمالي موجود ويتحكم في مفاصل الحياة على كامل الكرة الارضية، فان اتخاذ خطوة الى الامام والتراجع خطوتين الى الوراء لا تعني أبدا الهزيمة، ولكن تحديث استراتيجيات بمقتضى التطورات تحقيقا للرؤية المرجوة، وهذه خاصية تميز بها الامريكان، اي استعمار الحداثة وما بعد الحداثة. إن الحداثة وما بعد الحداثة، وهما موضوع الساعة في الغرب الديمقراطي-الراسمالي، لا تعني بالنسبة لبقية شعوب العالم سوى شيئين، الابتزاز السياسي والاقتصادي، والتهديد العسكري والغزو المباشر… الابتزاز والتهديد والغزو مازالت هي الادوات المعتمدة لدى الغرب للمحافظة على ريادته للعالم، وهذه العناصر الثلاثة تدور دورات تنشيطية حسب المستجدات وبالاخص في وجه التهديدات المضادة، المرتقبة والمتوقعة، وهذه التهديدات لها الاولوية امام الالوان المختلفة من المقاومة. 

افغانستان مثال حي، يتميز بتجدد الحيوية مثل تناسخ الارواح والانسلاخ بالنسبة للسيادة الامريكية في هذا البلد، هذه السيادة او بالاصح الحضور الامريكي، بالمنظور السياسي والتاريخي، ليست وليدة عام 2001 بعد الحادث الدرامي في 11 سبتمبر، والذي اقتضى من الامريكان خاصة والغرب عامة تحديث استراتيجية ادارة شؤون المناطق الجغرافية، التي هي امتداد ثقافي وايدولوجي لافغانستان الى المناطق الواقعة غربها، اي الجغرافيا الممتدة من افغانستان الى المغرب، وانصاعت معظم دول العالم لهذه الاستراتيجية من موقع المداراة درءا للخطر وتجنبا للمشاكل مع الدولة العظمى. السيادة النشطة لامريكا على افغانستان ابتدأت مع الغزو السوفييتي لافغانستان عام 1979، وكان الامريكان يتربصون برغبة يدغدغها الشوق للانتقام والتهيؤ لرسم استراتيجيات جديدة تخدم الرؤية الامريكية الكبيرة (سيادة العالم). الوجود السوفييتي، بعد الغزو، في افغانستان كان دعامته حزب ماركسي حاكم استلم الحكم بعد انقلاب لا يتمتع بشعبية واسعة وترسانة عسكرية ضخمة، اما الجانب الامريكي فقد استطاع ان ينفذ مباشرة بعد الغزو في صلب المجتمع الافغاني. المجتمع الكلي الشامل للدولة الافغانية هو مجموعة قبائل تعيش في ظروف القرون الوسطى وتتبنى عقيدة ايمانية (الاسلام) مناهضة لعقيدة الدولة الغازية، وكانت هذه العقيدة هي كلمة السر لدخول الامريكان ارض افغانستان بالقبول والترحاب، خاصة ان امريكا دولة من اهل الكتاب وهي في حرب باردة سياسيا وساخنة عقائديا ضد السوفييت… السوفييت هو العدو المشترك للقبائل الافغانية وللكيان الامريكي، وليس افضل من هذا العداء المشترك لبناء تحالف متكامل الاركان سياسيا وعسكريا واعلاميا وايدولوجيا ضد العدو السوفييتي. الغزو السوفييتي لافغانستان فريد من نوعه قياسا بكل الغزوات عبر التاريخ، اذ ان مع الغزو السوفييتي وتواجده على الارض تشاركت معه مباشرة قوة اخرى مناهضة تمكنت من التواجد في نفوس اغلبية الشعب الافغاني، واستطاعت هذه القوة (امريكا) ان تستثمر هذا التحالف الذي نزل عليها من ظهر غيب، وكانت بمثابة الفرصة الذهبية. إذا الوجود الامريكي في افغانستان بدا مع الغزو السوفييتي عام 1978، ومر بمراحل عدة حسب المستجدات، وهي مرحلة بعد مرحلة تظهر في افغانستان بلون جديد. رغم انها انسحبت من افغانستان بعد الانسحاب السوفييتي، الا انها كانت حاضرة في ساحات الصراع بين القبائل، وهي التي رفعت طالبان الى سدة الحكم، وطالبان الحكم وطالبان القبيلة وطالبان القوة هي دعامة استثمارية مجدية ونشطة وفاعلة يستحيل لامريكا ان تستغني عنها… قد تختلف معها، في بعض الامور او نتيجة لاخطاء تكتيكية، الا ان الطرفين يعيان جيدا حاجة بعضهما للاخر. اليوم لا يختلف عن الامس، وان انسحاب امريكا اليوم شبيه بالانسحاب السابق بعد الانسحاب السوفييتي، وان الحضور الامريكي في افغانستان لا حاجة له ان يكون في صورة وجود، وهكذا فان امريكا حاضرة رغم غياب صورتها، وهي ليست غبية كي تستغني عن عنصر استثماري مجد وفعال، وبموازاة الحضور الامريكي لا يمكن لكتلة طالبان ان تستغني عن سندها القوي في البقاء على السلطة في افغانستان… امريكا لم تخرج من افغانستان مهزومة وطالبان لم تتربع على عرش الحكم منتصرة، فالذي بينهما لا يجمع بين تفاعلات الهزيمة والانتصار، بل زواج كاثوليكي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها