النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

جنود الاستقلال ومن شابه أباه فما ظلم

رابط مختصر
العدد 11839 الإثنين 6 سبتمبر 2021 الموافق 29 محرم 1442

إنها الحقيقة التي كنّا منذ زمن نبحث لها عن توصيف محدد يحتويها، فمع وعينها بها، وإدراكنا لأهميتها، وحاجتنا إليها، إلا أننا لم نقف عند توصيف يحدد ملامحها حتى أطلعت قبل أيام قليلة على مقال جميل وراقٍ للكاتب سعيد الحمد بعنوان (جنود الاستقلال)، وقد أفرد لهذا التوصيف مساحة كبيرة لشرح مكنوناته، وسبر أغواره، والتأكيد على أهمية جنود الاستقلال في بناء الدولة المدنية التي نتمتع بمكتسباتها ومنجزاتها، ونعيش في ظلها بأمن واستقرار.

لقد قدّم جنود الاستقلال منذ بواكير الدولة الأولى الكثير حين وقفوا مع المؤسسين الأوائل للبحرين، فقد آمنوا بهذه الدولة، وأقسموا على الذود عن حماها، حتى توارثوا ذلك كابرًا عن كابر، فما يتمتع به جيل اليوم من خصال إنما هو متوارث من الآباء والأجداد دون منة منهم على الوطن، فقد كان الآباء والأجداد مثال التضحية والفداء وإنكار الذات، وما ذلك إلا لشعورهم الوطني القائم على الانتماء والولاء وحب الوطن!!

فأولئك الجنود آمنوا بالوطن منذ تأسيسه، فقد كانت فطرتهم ووعيهم هو خط الدفاع الأول، فلم يتخاذلوا يومًا، ولم يتقاعسوا للحظة رغم ما كانوا يواجهونه، فوقفوا جنبًا إلى جنب كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، خلف الأسرة المالكة (آل خليفة) الكرام لتأسيس هذا الكيان قبل محيطهم العربي الذي كان تحت وطئت القوى الأجنبية.

جنود الاستقلال ليسوا أولئك الذين وقفوا في الخطوط الأمامية من الجنود والشرطة والحرس الذين نرفع لهم القبعة فقط، بل هو في مفهومه الشامل أولئك الذين وقفوا في جميع الميادين ليقيموا صروح هذا الوطن، بدءًا من التعليم والبلديات والشرطة والصحة والتجارة والصناعة وغيرها من المرافق العامة التي أشرفت عليها الحكومة الرشيدة، فكانت البحرين مقصد التجار وأصحاب الأموال، وموئل العلماء والمثقفين والأدباء والشعراء وأتباع الأديان والثقافات.

لقد كان لجنود الاستقلال الفضل في تماسك المجتمع ووحدته، المجتمع الذي عرف بين دول المنطقة بأنه مجتمع التعايش السلمي والتسامح الديني، وهو سر قوة هذا المجتمع، وميزة الجذب لشعوب العالم للعيش في هذا الوطن بكل أريحية، فمن يعيش في هذا الوطن لا يتمنى مغادرته رغم قلة الموارد فيها، بل إن أبناءها إذا تغربوا للدراسة أو العلاج أو العمل فسرعان ما يرجعهم الحنين إليها، ورغم الإغراءات والعطايا لأبناء هذا الوطن لترك وطنهم إلا أنهم يرفضون تلك العروض لارتباطهم بأرضهم!.

لقد استخدم الكاتب سعيد الحمد مصطلحًا قديمًا يفهمه أهل البحرين والخليج قاطبة (ما اظعن من البحرين)، والظعن هو السفر والابتعاد والهجرة، وهو المصطلح الذي استخدمه جنود الاستقلال لارتباطهم بوطنهم (البحرين)، فقاموسهم أبدًا لا يستوعب تلك المصطلحات، الظعن، المقاطعة، الكراهية، الغدر، الخيانة، الارتهان للخارج وغيرها، جميعها مرفوضة لدى جنود الاستقلال، فحبهم وعشقهم لوطنهم لا يعادله حب، حتى لو قدمت لهم الأموال والعطايا، حتى لو أعطوا الأراضي والمناصب، والسبب أن عملهم وتضحياتهم إنما للوطن، ولا ينتظرون من ورائه مقابل.

جنود الاستقلال تعرضوا لما تعرض له شباب اليوم من الدعوة للظعن بوعود معسولة، وإغراءات زائفة، حياة كريمة، وأموال وفيرة، ومناصب ومقاعد، ولكنهم فطنوا لمشروع التهجير القسري، والانتقاء العائلي، لقد رأوا منذ ذلك الزمن ما وراء الأكمة! وشموا رائحة المؤامرة، وأن هناك مشروعًا يحاك لوطنهم الذي آمنوا به، وأقسموا بالوقوف معه بالسراء والضراء، وكان الشاهد على ذلك هو قطع دابر الفتنة، ومنها أن (مجالسنا تعذركم)، ولولا العادات العربية الأصيلة مع الضيف لكن هناك تصرف آخر!!.

تلك المواقف وغيرها يسردها الآباء والأجداد لجيل اليوم لأخذ الدروس والعبر، والحذر من السقوط في ذات الشرك والمستنقع، فالجميع اليوم يعي اللعبة، ويعلم عواقب الأمور، وأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فالظعن والجهرة هدفها الأساسي هو تقطيع أواصل القرب بين الناس.

فعلاً هم جنود الاستقلال الذين نقف لهم إجلالاً وأكابرا لتلك المواقف المشرفة، نعم يستحقون ذلك اللقب، فقد سالت دمائهم وهم في الصفوف الأولى، وذابت عظامهم في تراب هذا الوطن دون أن يتراجعوا أو يتخلفوا، فقد رفضوا الهجرة والظعن رغم المغريات، لأن إيمانهم بوطنهم أكبر من كل شيء، فوطنهم لا يعاني من عقد النقص، أو عقدة الهوية، أو عقدة الأصول، فالجميع في هذا الوطن سواسية تحت ظل الدولة والقانون.

هنيئاً لأحفاد جنود الاستقلال الذين يسيرون على درب آبائهم وأجدادهم، والذين لم يحيدوا عن طريق الحق والإيمان بالوطن، وهنيئًا لأولئك الذين يقومون بتدوين تضحيات آبائهم وأجدادهم، ويفتخرون بها لما قدموه للبحرين وشعبها، وفعلاً كما ذكر الكاتب الحمد فإننا من أولئك، ومن شابه أباه فما ظلم!!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها