النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11886 السبت 23 اكتوبر 2021 الموافق 17 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

وما أدراك ما «السوشيال ميديا»!

رابط مختصر
العدد 11839 الإثنين 6 سبتمبر 2021 الموافق 29 محرم 1442

 كثيرة هي الأحداث السياسية والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والظواهر السلوكية التي تطرأ في أوقات معينة من حياة الشعوب؛ لتُجرى في شأنها حوارات ولقاءات صحفية ومقابلات تلفزيونية ودراسات أكاديمية تُشبعها نقاشًا وتحليلاً وتقييمًا، ولكنها مع ذلك تذهب بعد كل ذلك سراعًا في جوف الزمن وينتهي وقعها ويختفي أثرها في المجتمعات. ليست هذه قاعدة عامة لأن بعض هذه الأحداث والمتغيرات والظواهر تثبت وتبقى ردحا من الزمن ملقية بظلالها على الشعوب مؤثرة فيها بالإيجاب أو بالسلب، وإذا ما كان أثرها إيجابيًا يُعمل على تعزيز حضورها في المجتمع وفي سلوك أفراده، أمّا إذا ما كان سلبيًا، فإنها تصبح محلّ متابعة ومراجعة وموضوع تنبيه دائم من المسؤولين والناشطين لتحصين المجتمع من آثارها الكريهة. 

 ومن ضمن ما يُمكن تصنيفه ضمن دائرة الظواهر المؤثرة التي لم تُمحِها حركة الزمان وسائل التواصل الاجتماعي، «السوشيال ميديا» - وما أدراك ما «السوشيال ميديا»-. وسائل التواصل الاجتماعي القديمة سلوكًا تواصليًا والحديثة من حيث أدواتها التقنية وهواتفها الذكية لها - كما نعلم جميعًا - استخدامات متعددة ووظائف متنوعة. تبدأ من تبادل التحايا والتهاني والتعازي؛ لتصل إلى تبادل الأخبار والمواقف، بل وإلى صناعة الرأي العام وتكييفه لحمله على تبني موقف أو سلوك بعينه، أو لحمله على ما هو أكثر من ذلك، ولنا في ما جرى ذات ربيع أو شتاء في تونس ومصر خير دليل، فبـ«الفايسبوك» وحده صنعت دوائر القرار الأمريكي وهمَ ثورة أزاحت نظامين قائمين لتحل محلهما عصابات الإسلام السياسي عنوانا لسياسة أمريكية جديدة لم تورّث غير الخراب والدمار، ولم تظهر سوى إيديولوجيات الحقد والكراهية والإرهاب وتفكيك المتآلف من الأنسجة الاجتماعية وتعطيل دواليب العمل والإنتاج، بل وتعطيل العقل نفسه؛ لترتد هذه المجتمعات إلى مرحلة ما قبل الدولة.

 لن نناقش هنا أهمية الطفرات العلمية التي طرأت في عالم التكنولوجيا وما وفره الانترنت من تسهيلات صخمة للحياة العصرية وما أتاحه من سهولة في تسييل المعلومات من مختلف مناطق العالم ومناحيه فهي مسائل تقنية ليست من اختصاصنا. ولن نتكلم عن أهمية هذا المنجز الإنساني الذي يتيح انتقال المعارف والمعلومات بين المجتمعات الإنسانية ويسهل عملية تواصل البشر بعضهم ببعض، فأهميته بينة ولا أحد يجهلها. والحديث بطبيعة الحال لا يدور عن دور «السوشيال ميديا» كإعلام اجتماعي نافع ناقل للمعارف والمعلومات وكان سببًا في تقريب المسافات. فكل ذلك مفهوم ونؤيد تكريسه ونحث الجهات المنوط بها تعليم التكنولوجيا العصرية على أن يكون مادة حيوية ضمن مناهجها الدراسية. وما أراه شخصيًا في هذا الباب أن سعي الإنسان منذ أبعد العصور ما كان إلا تأسيسًا وبناءً وتطلعًا لمثل هذا الوقت الذي غدا فيه العالم «قرية صغيرة» كُتِبَ لنا نحن أن نعيش نعيمه. فأين المشكلة يا تُرى، إذا صح لي أن ما سأطرحه فعلا يمثل مشكلة قائمة حلها قائم بأيادي الأفراد وبمعاونة من مؤسسات الدولة؟.

 لا ريب أن التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي ولسوء استخدامها وتوظيفها في غير مقاصدها شديد الوضوح، وأكثر تجليات هذا الوضوح وحالاته المرصودة هي أنها غير نافعة ومدمرة في معظم الأحيان وخصوصًا في مجتمعاتنا العربية. ولعل نظرة سريعة عشوائية على المحتوى الذي يصلك، عزيزي القارئ، يوميا على «السوشيال ميديا»، واتساب، انستغرام، فيس بوك، تويتر، وغيرها من التطبيقات تؤكد لك أن الكثير منا يفرط في امتصاص المنافع الجمة لهذه التقنية، بل ويستهين بالوعي الجمعي من خلال توظيفات هذه التطبيقات، ولا أتحدث طبعا عما يفسد الأخلاق أو لا يقدم مفيدا فحسب، وإنما يهمني كثيرا في هذا الإطار توظيفات بعضهم «لـلسوشيال ميديا»، على المستوى السياسي من خلال ما يتم تداوله على نحو غير ذكي فلا يقيم وزنًا للمخاطر المجتمعية المترتبة على ذلك. فعندما تصلك اليوم مادة لا تعرف مصدرها ظاهرها ينتقد ممارسة حكومية ما وباطنها تحريض على الدولة والحكومة والحكم نتذكر بمرارة فترة هيجان الإسلام السياسي الراديكالي مع زمرة اليسار المتطرف سنة 2011 إبان ما سمي تعسفًا بـ «الربيع العربي» على مستوى البلدان العربية، وفي فترة تنامي الحس الطائفي إبان الأحداث في المجتمع البحريني، وننتبه للصورة الواضحة لمثل هذا الاستخدام المدمر لهذه التكنولوجيا.

 لهذا فإن حديثنا هنا عن بعض التغريدات وبعض الفيدويات والتسجيلات مجهولة المصدر ويتم تداولها بأريحية وكأن الأمر لا يعنينا في شيء. وهذا معناه أن استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي هو استخدام غير رشيد، وأن استهلاكنا للمعلومات استهلاك غبي ولا ينم عن مسؤولية وطنية ومواطنية في أغلب الأحوال. وقد سبق أن تحدثت وسائل الإعلام المختلفة في مملكة البحرين عن أهمية أن يكون الفرد واعيًا في قراءة ما يقرأه وحذرا في إعادة إرساله إلى الآخرين. خلاصة الكلام: علينا فحسب أن ننشط شيئا من العقل في التساؤل عن مصادر ما يُنشر في الفضاء الاتصالي الافتراضي البحريني من سوء وتزييف وتجييش وغاياته؛ لندرك أن من يسمي نفسه معارضة، ونعني بهم المعارضة الطائفية التي رهنت قراراها لإيران، هي من ينشط في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنها ببساطة وجدت فيها بيئة صالحة لنشر ما عجزت عن نشره في الواقع الحي.

 المطلوب، مثلما يؤكد الإعلام الرسمي والصحافة الوطنية، ألّا ننساق إلى تصديق كل ما يتم نشره في «السوشيال ميديا»؛ لأن ليس كل ما يُنشر يتمتع بمصداقية. الفحص والتدقيق يساهمان في اختفاء كل ما من شأنه أن يسيء إلى الدولة والمجتمع؛ ليمكث في الأرض ما ينفع الناس، ويذهب الزبد جفاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها