النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

تركي آل شيخ

رابط مختصر
العدد 11835 الخميس 2 سبتمبر 2021 الموافق 25 محرم 1442

ظاهرة عربية تسبق عالمنا المتراخي بزمان ومكان، تتفنن في البوح بمكنون اللحظة، تكتب، تدير، تتجلى، تضيف، في الرياضة، في الشعر، في الإعلام، في الترفيه العائلي، في توقيت الصمت العفوي.

وجدته ومن دون مقدمات مسؤولاً عن شؤون وشجون كرة القدم العربية، ثم استمعت لأحلى قصائده وعمرو دياب يتغنى بها على مسارح الحياة المستحيلة في بلادنا المستحيلة، ثم عدت لأتابعه وهو مسؤول كبير عن الترفيه في مملكة كانت المحظورات فيها لا تؤمن بالضرورات، لكن وبقدرة قادر أطلق الضرورات من تلابيب المحظورات، أدلى بما هو معلوم، أو مبني للمعلوم، جرعات إفاقة وتصحيح لمسار في منطقة تعاني من الندرة لمربط فرس راجح، أو جرس في رقبة قط، أو حصان هُمام أمام عربة.

إنه المستشار تركي آل شيخ، عربي فوق العادة يأخذ الفرصة من القيادة السعودية الرشيدة ليمنحها إلى كل من يستحق، أجاد فوضع كرة القدم العربية على منصات التتويج الأممي، أعاد البطولة العربية بعد غياب، حدد للفائزين مكافآت سخية بعد أن كان ضيق اليد هو المهيمن على المشهد، ذهب إلى نهاية العالم لكي يلقن المتكاسلين دروسًا في النشاط والحيوية والتفكير خارج الصندوق، جاء إلى «العُلا» وأحيا مدينتها التراثية العريقة، أول من ترجم التكنولوجيا الرقمية إلى مشاهد ترفيهية بكل لغات العالم، جاء بتقنية الهولوجرام ليعيد الحياة إلى عبدالحليم وأم كلثوم وطلال مداح وغيرهم الكثيرين من نجباء العرب.

جاء الرجل من بعيد ليثبت أن الإدارة فن وعلم وموهبة، عندما كان وزيرًا للشباب والرياضة ملأ مكانه، وأضاف لمقعده، وجعل منه قيمة ومكانة، وحين انتقل برشاقة إلى هيئة الترفيه السعودية ملأ الدنيا جمالاً وحلاوة، وجعل من حياتنا أزهى وأروع، ومن قنواتنا الفضائية أقدر وأبدع، ومن المتابعين لها أوفر وأكثر.

صمد في وجه النفر الخارج عن القانون عندما كان رئيسًا شرفيًا للنادي الأهلي المصري، وحين تنمر له ثلة معروفة بسلوكياتها غير الأخلاقية، وبأخلاقها غير الحميدة، على الفور لم يدخل المستشار آل شيخ في مهاترات دون المستوى، ولم يرفع الرايات البيضاء مستسلمًا لـ«قلة الأدب»، أو مستأذنًا ممن لم يستحقوا الاستئذان منهم، لكنه مضى في طريقه آمنًا مطمئنًا، ضامنًا مهيمنًا ومؤمنًا برسالة الإنسانية التي جاء من أجلها، فأقام المشاريع، وأرسى التقاليد، وانتشر بين صفوف المؤمنين المتفكرين في شؤون وشجون أمتهم، في كيفية النهوض بحياتهم، والوقوف على آخر مستجدات التطور والازدهار في معاقل دنياهم.

كان ومازال بحجم المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقه، لمته يومًا واحدًا عندما شعرت بأن انسحابه من «الكنانة» لم يكن في وقته، وأن وطنه الثاني أحق به مثل باقي الأوطان العربية، وأن وقوفه على الأرض الصلبة سوف يهيئ له فرصًا أخرى أكبر من «بيراميدز»، ومن قناتها الفضائية التي ضاعت بين الأقدام.

تركي آل شيخ ظاهرة عربية غير مسبوقة في عالمنا المتردد، في رياضاتنا وعصبياتنا بين «أهلي وزمالك»، و«هلال ونصر»، و«وداد ورجاء»، روح مفعمة بدقة الاختيار ورجاحة التوجه والسعي بأي ثمن نحو الأرجح والأفضل والأكثر تميزًا.

منذ أيام تحدث لي مصرفي تم توشيحه وتتويجه برئاسة مصرف حديث النشأة، قليل الحيلة، فجعني فخره بنفسه، واعتزازه بها، وحرصه على أن يعمل بعيدًا عن الأضواء، فجعني في هذا الرجل أنه في منتهى السعادة لأن الصحافة لم تدركه أو تطرق بابه، وأن الإعلام لم يلقِ عليه السلام ولو لمرة واحدة في حياته، ومصيبتي الأعظم أن الرجل يفتخر ويجاهر بذلك، ويعيد أسباب تفوقه كمصرفي إلى عدم ظهوره أبدًا في أجهزة الإعلام، ساعتها تذكرت المستشار تركي آل شيخ وكيف أنه يعيش في زمن يهرب الضعفاء فيه من الإعلام، رغم ذلك رأيته يشجع الإعلام، يدعمه، ويحرص عليه، حتى جعل من فضائه الفكري فكرًا يصل به إلى نجومية الكواكب، إلى عنان السماوات السبع، إلى براءات الاختراع الناعمة وليست تلك التي تلجأ إلى معامل التجارب كيما تكتشف مصلاً نادرًا، أو لقاحًا فاعلاً، أو علاجًا للأجسام والأجرام المضادة.

منذ أيام كانت «السوشيال ميديا» مشتعلة بين مؤيد ومعارض، بين مشجع كروي موتور، وآخر يسن أسنانه للنيل منه، بين أهلاوي حزين على ضياع الدوري العام المصري منه وذهابه إلى منافسه التقليدي الزمالك، وبين زملكاوي يدافع عن شيكابالا في وجه رئيس اتحاد الكرة المصري أحمد مجاهد، هنا تذكرت المستشار تركي آل شيخ الذي ترك كرة القدم إلى حال سبيلها، بالتحديد عندما شعر أن الروح الرياضية لم تعد مفعمة بالإيمان، وأن الأخلاق الحميدة لم تعد بعد فوات الأوان حميدة، تذكرت الشاعر آل شيخ وتذكرت إشارات من مواقفه، أنه لا حياة لمن تنادي طالما أننا نغرد خارج السرب، ونؤذن بعيدًا عن مآذننا المؤمنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها